






الطبعة الحداشر

لا شك أن هذا الكتاب استطاع بدون مجاملة أن ينتزع مني كميات من الضحكات، قليل ما ضحكت مثلها وأن أقرأ كتب ساخرة أخرى..
بلا شك يتميز الكتاب بخفة الدم وروحه المرحة، لم أكن أعرف أن عصام منصور – كاتب الرعب المميز - كاتب ساخر أيضًا بهذه الجودة إلا بعض أن قرأت هذا الكتاب..
الكتاب التهمته في أقل من ساعة – فهو قصير إلى حد كبير – لكننى استمتعت بكل صفحة به..
يقول الكاتب في مقدمته – مقدمة طويلة المدى – أنه فعليًا كتب المقدمة قبل كتابة الكتاب نفسه، لخمسة أسباب مهمة، وهي:
"1) لأنني كنت أحلم بصدور كتاب يكون ضمن أفضل المبيعات، ويا حبذا لو وصل للطبعة الحادية عشر، حتى أنني قررت تجهيز مقدمته مسبقًا، ولا تدع هذا يلبس الأمر عليك، كالسؤال الشهير: من يأتي بالآخر البيضة أم الدجاجة؟
2) لأنني قرأت كتابًا مهمًا جدًا ذات مرة، لم يكتب في مقدمته أي شيء له علاقة بالمحتوى!
3) لأن المقدمات المحسوبة تشعرك بأنك ذلك السخيف الذي نصب له أحدهم شركا بحيث يعرف كل حرف مسبقًا، وهكذا يتفنن في إغراقك بالقراءة وربما يغيظك قائلا: يا جاهل.. اعرف كل حرف مما أنت مقبل عليه، فددعني أتحذلق قليلًا..
4) لأنني خشيت أن يحرق الكتاب بتهمة الهرطقة، أو تصارد كل نسخه بتهمة الخيانة، أو ينفد من السوق بعد أن تبتاعه عائلتي حتى لا أموت قهرًا، أو يسقط عامل المطبعة عليه شايًا فتخرج كل النسخ باهتة، أو تستشري فيه الأخطاء المطبعية.. فهكذا أضمن مقدمة سليمة عندي منها مئات النسخ!
5) لأنني أردت تجربة لوحة المفاتيح الجديدة!".
ينتقل بنا الكاتب بين فصول متنوعة ومميزة لكلهم مذاقه لا يجتمعون إلا في خفة دمهم.. ففي فصل " الافتكاس في الشرح للناس" سوف تدرك معاني تلك الكلمات الغريبة التي تسمعها على أنه لغة الروشنة، وفي نفس الوقت الوقت ستعرف معاني كلمات فصحى كثيرة لا يعرفها فئة كبيرة من الناس.. في فصل "الاستحمار السياسي" ستجد تعريفات كثيرة سياسية سيتذهل – ستذهل بمعنى ستذهل – عندما تعلم معناها الحقيقي.. وأقتطف لك من الكتاب:
"(التأثر السلبي للحصة المؤقتة) .. أما المدرس يبقى غايب وفي حصة إحتياطي، ممكن يبقى في سلب وشتيمة!
(التشنج اللاأخلاقي) .. العيل لما يعيط بيتشنج، إنما لو تف عالأرض يبقى لا أخلاقي!
(عجز الموازنة).. من غير فهلوة ولا حاجة.. أم (وازنة) دي ست طيبة، جالها عجز!"
أما فصل " ماشفش الفساد... أصله معداش على مصر" يعود بنا الكتاب لسؤالين كان يحبهما في دراسته هما الصح والخطأ ، والاختر؛ ليستخدمهما في نقد لاذع للأحوال المتردية من حولنا..
أما في فصل "الطبعة الحداشر" فيجعلنا الكتاب –بعد فاصل متواصل من الضحك – ندعو لتحقيق رقم الطبعة الحداشر، كي يحقق حلمه في غرفة نوم له وحده!.

~تهزيء!~
"انت فاكر نفسك بتعمل إيه؟".
صرخ بها الرجل ذو الملابس الأنيقة في وجهه، فنظر له في لا مبالاة وضحك ساخرًا.
"انت يا (...) انت قوم، وإلا والله ههزأك".
"لأ".
صرخ قائلاً:
"أنا ورايا شغل يا (..) انت.. قوم ولا هعورك".
"لأ".
قالها وأشاح وجهه بعيدًا، فقال رجل ممن وقفوا يتفرجون على مشهدٍ يروه طريفًا:
"الأحسن إنك تراضيه.. إديله عشرة جنيه كده، عشان تخليه يهدى ويمشي".
فصاح ذو الملابس الأنيقة:
"إنت عايزني أراضي الــ(..) ده؟.. إنت متعرفش أنا مين وهو مين؟.. ده حثالة!".
"إيه؟ لأ طبعًا مقصدش يا باشا.. طب ممكن حضرتك تسأله هو عايز إيه؟".
"لأ..لأ طبعًا".
ثم صاح بأعلى صوته، قائلاً وهو يشير نحو الفتى:
"لو منزلتش دلوقت من على عربيتي، هجيب عصاية وأنزل فيك ضرب لحد ما تموت!".
"مش خايف!".
"هتعمل فيها جامد يا (..)؟.. اسمع.. لو منزلتش دلوقت هعرفك مقامك".
"مش خايف".
حاول ذو الملابس الأنيقة أن يهدأ قليلاً، وقال:
"قدامك خمس دقايق وإلا هتشوف"..
فتكلم الفتى الصغير أخيرًا:
"ممكن أنزل بشرط!"..
"بشرط؟!"..
تأمله، نظر نحو ملابس القذرة المقطعة، وجهه الذي غاب لونه، وأصابع يده التي أصبح السواد لونها.. ماذا يمكن أن يريد مثل هذا منه؟؟.
"أيوه شرط واحد".
من أين جاءت له تلك المصيبة؟.. قال بصوت حافظ على لهجته العدوانية:
"شرط إيه؟".
في صمت أشار الفتى بإصبعه لآخر الشارع، التفت نحو المكان الذي يشير نحوه، شعر بالصدمة، لم يحتمل..
"نعم؟ عايز إيه!".
"حط راسك فيها".
هل يعني ما يقوله حقـًا؟
"نعم؟.. في إيه؟".
"فيها.. آهي.. سلة الزبالة".
من قال "يراضيه"؟ من الأحمق الذي قالها؟.. صاح وهو يكاد يمد يده عليه:
"انت مش متربي.. وأنا هربيك!!"..
استجمع الفتي كل قوته، ليصرخ بصوت عالي أفزع الرجل ذو الملابس الأنيقة:
"وانت كمان!"
بدأ الرجل ذو الملابس الأنيقة يتذكر..
هو – بكل تأكيد – رأى هذا الفتى من قبل!
"زي ما عملت مع أبويا..".
لكن متى؟
"..إمبارح.. لما مسكت سلة الزبالة..".
وأين؟
"..، يا راجل مش محترم،.."
نعم.. هو الآن يتذكر، ويُذهل..
"..ودلقتها على راسه يا (...)، عشان قالك الحقيقة اللي انت مش متعود عليها.."
"هو انت؟".
الآن – عندما يتذكر الرجل ذو الملابس الأنيقة مشهد البارحة بالكامل – يرى ذلك الطفل الواقف في الركن، النظرة على وجهه التي لم يلحظها من قبل. يتذكر كيف كانت نظرته تشع غضبًا من نوع خاص.
يتذكر المشهد- بدقة- ليرى أمامه الرجل يعبر الطريق وخلفه –مباشرةً- ابنه، يحمل كلاهما فوق ظهره كيسًا قماشيًا ضخمًا بكل تأكيد كان قمامة.
الأحمق لم يأخذ حذره. الأحمق يعبر الطريق وكأنه "طريق أبوه". الأحمق يرتطم بالسيارة.
توقف، فتح الباب وخرج، نظر نحو مقدمة السيارة فوجد أن المصباح الأمامي قد تحطم. مصباح السيارة التي اشتراها من أسبوعين من فقط، ولم يبرد ثمنها.
ووجد الأحمق في نفسه الجرأة أن يقول – وهو ما زال ملقى على الأرض:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا ظالم"، فاستحقها.
"أيوه.. بس الحقيقة إن ابويا ماقلش ليك الحقيقة كلها، نسي يقولك إن انت حيوان".
شعر الرجل ذو الملابس الأنيقة ببوادر الحرج، فاستغرب، شعر بنظرات الناس من وراءه تضرب قفاه.
كاد أن يبتسم بحرج ويخرج للفتى ورقة مالية من فئة العشر جنيهات كما نصحه الرجل إياه، لكنه أفاق، وصاح:
"انت فاكر نفسك إيه؟.. تكونش فاكر نفسك حاجه في الدنيا دي؟ انت وابوك الــ(...)".
دفعه بيده بقوة من على سقف السيارة، تردد صوت السقطة في رأسه، ابتسم في سخرية، سمع صوته يبكي، فقال هازئًا:
"تستاهل يا (..)".
قالها وركب سيارته، شغل المذياع وهو يمني نفسه بنسيان تلك الحادثة التي أفسدت صباحه.
عندما بدأ السير، سمع صوت التحطم يأتي من وراءه مباشرةً!
التفت لخلفه، نظر على المقعد الخلفي فوجد حجرًا، ومن بين الزجاج الخلفي المكسور، استطاع أن يرى الطفل يجري بعيدًا!
زيرو 900
بقلم: إسماعيل خ.م. وهدان
جزء من حلم:
ما الذي جاء بي إلى هنا؟؟ وما هذا الزحام الخانق؟؟
تترد كلمات غريبة مثل "شيخنا" و "عَمَل".. أبتسم ساخرًا..
أحدهم ينادي:
-"رقم 13 يدخل"..
تدخل سيدة بدينة لنوع من الأكواخ فأتبعها. في البداية لم أرَ شيئًا جراء أدخنة البخور، وكدت أختنق، حتى كدت أصيح "حرييييييقة"، ثم سمعت صوتًا يقول:
"دستور..دستور"..
ما هذا؟ ما دخل السياسة في الموضوع؟
"طلباتك؟".
ارتبكت المرأة البدينة لثانيتين ثم قالت:
-"عاوزة أخس 8 كيلو!"
-" بس!".
ثم تداركت العجوز الشمطاء – التي ظهر وجهها بعد أن انقشعت أدخنة البخور الخانقة – وقالت:
"طلبك مجاب بإذن الله.. وهشتغلك عليه.. بس.."
"بس إيه؟"..
"سعر الدقيقة جنية ونص"..
"اممممم... موافقة طبعًا".
ثم بدأت الشمطاء في الإتيان بحركات غريبة بيدها، وألقت المزيد من البخور لتشير مؤشرات رئتي إلى أن ما يصلها من غازات لا يمت بصلة إلى ما يتنفسه الإنسان في العادة، وبدأت تحرك رأسها حركات غريبة، حتى ظننت أن الجنون أصابها، وبدأت في الصياح:
"زيرو تسعمية يا جبار.. خسس الست دي 8 كيلو أحسن دي ممكن تنهار!"
* * *
مناقشة خارج غرفة الشمطاء (جزء من ذات الحلم):
"هو إيه زيرو تسعمية ده؟"..
"بيقولوا انه جنى جبار بيحقق الأماني مقابل الفلوس"..
"بزنس يعني"
"لا يا ذكي.. زيرو تسعمية ده الكود بتاع عالم الجن.. حتى دايمًا تلاقيهم بيقولوا زيرو تسعمية وبعدها كام رقم كده.. مش بذمتك بيبقى شكلها زي أرقام التليفونات"
"بجد؟!.. بسم الله الرحمن الرحيم.. هم الجن عندهم تليفونات"..
"انت لسه عارف!.. يابني احنا في عصر التكنولوجيا"..
"المهم انهم بيقولوا ان نتايج التعامل معاهم مضمونة"..
تدخلت بينهم قائلًا:
"هي مين الست اللي جوه دي؟"
"دي الست المذيعة"
* * *
استيقاظ من النوم:
صحوت من غفوتي..
يبدو أنني نمت بينما كنت أشاهد التلفاز.. يا له من حلم عجيب!..
لكن.. ما هذا؟!..
"لو كنت عايز تحرر فلسطين اتصل على 09001234"
"لو كنت عايز مصر توصل للقمر اتصل على 09005643"
تتابعت الإعلانات على الشاشة أمامي..
"لو كنت عايز تكسب 100000000 جنيه اتصل على 09004567"
"لو كنت عايز تبقى رئيس الجمهورية اتصل على 09007986"
"سعر دقيقة الرئاسة جنية ونص"..
بحثت بعيني سريعًا عن رقم ما – يبدأ بــ 0900 بالطبع- إذا اتصلت به تتوقف هذه الإعلانات، فلما وجدته كان "سعر الدقيقة" خمسة جنيهات، قررت أن أعود للنوم..
لأنه يبدو أنني لم أنل كفايتي من النوم.