أهلا بالزائر سعيد الحظ.. فلتعلم أنك أول زائر ها هنا من فترة طويــــــلة

متتعبش نفسك

الأربعاء، 15 فبراير 2012

قصة صارت تتكرر كثيرًا، حتى كادت تصبح مملة!!


تتأكد من ان بطاقتك في جيبك، تنظر لساعتك فتجدها الثالثة عصرًا، تضع قناعك على أنفك، جيد، كله تمام!

تقترب من الشارع في هدوء، تزداد حدة الغاز.. صديقك ينظر نحوك بتوتر ويبتسم.. هو خائف، وانت خائف، لكنما لا تتوقفان..

- انت كويس؟

يسألك فتومئ.. هل توترك يبدو على وجهك لهذه الدرجة؟ صديقك لا يعلم انها مرتك الأولى.. تبتسم له لتطمئنه فيرد لك الابتسامة بأخرى باهتة قليلًا.. الاحساس غريب ولا يمكن اعتياده.. لماذا يحدث هذا بالله عليكم؟

من أمامك يمر مصاب.. أحد الذين يحملونه يردد "بيضربوا حي ولاد الكلب.. بيضربوا حي".. تتوقف في مكانك ويبهت وجهك.. لا مكان للمزاح هاهنا.. على بعد أمتار قليلة منك تجري معركة دموية، كل ما كنت تفكر فيه عن تبادل رمي الطوب واستنشاق قليل من الغاز، تستبدله بما تراه الآن أمامك من دماء وشهداء وجرحى!.. ما هذا بالله عليكم؟

تسمع دوي الرصاص، تخفض رأسك في حركة لا إرادية.. هل أنت خائف.. نعم.. لكن لن تعود.. أنت واقف مكانك وتأمل الأفضل.. صديقك يقول لك "هيا"، وتتقدمان للداخل.. بجانبك يمر موتوسيكل يحمل مصابًا، وبجانبه يجري أحدهم – خمنت انه صديقه – ويصرخ "صفوا عينه! صفوا عينه!".. تكتشف دمعة على حافة عينك تستعد للقفز.. طاقة الخوف بداخلك تتحول لغضب.. الخوف يشعرك بالعجز، الغضب يشعرك بالقوة.. من بعيد وبين سحب الدخان تراهم بزيهم الاسود اللعين، تلتقط أول حجر تراه أمامه وتجري خطوتين قبل أن تقذفهم به.. لم يصبهم الحجر.. تسمع صوتًا مدويًا، فتقوم بتغطية وجهك في حركة لا إرادية أخرى، لكن الرصاصة لكن تكن من نصيبك.. أمامك ببضعة خطوات سقط أحدهم وقد تحول قميصه الأبيض للون الأحمر.. وجهه امتلأ بثقوب غريبة فتجد أحدهم يصيح بانهم "بيضربوا خرطـوش كمان ولاد الكلب!".. وآخر يصيح بك "شيل معايا".. تجري وتساعده في حمل المصاب، لكنك عندما نظرت في وجهه علمت انه انتقل من خانة مصاب لخانة شهيد.. تبًا!.. ماذا يحدث بالله عليكم؟!

تجريان به فتجدا أمامكما أحد سائقين الموتوسيكلات يقول لكما أن تضعاه معه، ويركب أحدهم معه ليحمل الشهيد.. ينطلقا عائدين به إلى الميدان.. تقف مكانك وتنظر لهما وهما يبتعدان.. يتكرر دوي الرصاص فتخفض رأسك مرة أخرى.. يقولك لك زميلك الذي حمل معك الشهيد "هيا نعود".. تسير معه ولكنك ما تلبث أن تتذكر أن صديقك لم يعد بجانبك.. أين ذهب؟

تخرج هاتفك المحمول، وتحاول أن تتصل به.. لا يرد، فتقلق.. تتسارع أنفاسك.. يسألك زميلك عما هناك، فترد "مش لاقيه.."، يسألك "هو مين"، لكنك لا ترد.. تتابع رنات المحمول لكنها لا تتوقف، انه لا يرد.. طمأنت نفسك قائلا أنه لا داعي للقلق، ربما هو هناك في الصفوف الأمامية..

تعود مع زميلك إلى الصفوف الأمامي (لاحظت انك لم تعد تشعر بالخوف؟)..

ماذا يحدث؟ فجأة تجد الجميع يصرخ بك "اجري"، ثم تسمع دوي متكرر ليسقط من حولكما عدد من الأفراد.. يتوقف الدوي فتساعد في حملهم، نفسك تخبرك ان هذا ليس مكانك.. ليس من المفترض أن يتعايش الانسان مع تجارب مثل هذه.. تشعر بألم في ساقك، تنظر فتجد بقعة من الدماء على بنطالك.. يخبرك زميلك بأنها خرزة خرطوش ولا شك.. لا تعلم هل اختفى الألم أم انك انشغلت عنه.. تسلما المصاب لأحد الموتوسيكلات لينطلق به إلى المستشفى الميداني.. وانتم عائدون تسمع أحد رفاقك يقول بأن هذا العنف له معنى واحد، ويرجو أن يكون مخطئًا.. تكاد تسأله "ما هو بالله عليك؟".. لكنك تقرر أنك لا تريد أن تعرف..

قبل أن تصلوا للصفوف الأمامية مرة أخرى تجدهم يتراجعون بسرعة.. ترى أمامك ظل ضخمن يتقدم بين دخان الغازات لتكتشف انها مدرعة، ثم تليها أخرى ثم أخرى.. ثلاث مدرعات يتقدمون فجأة ويطلقون الغازات في مستوى رؤوسكم.. ثم فجأة يجري جنود بزي مختلف بسرعة نحوكم – زي كنتم عندما ترونه من سنة كنت تسارعون بالهتاف "الجيش والشعب ايد واحدة".. تتراجعون بسرعة لكن هناك من يقف وينادي بان "اثبـــــــــت".. عددهم يقل عن عشرة، هؤلاء الذين ثبتوا لن يصمدوا أمام الهجوم العنيف..

يقترب العساكر منهم فيحاولون صد جحافلهم بالطوب، يدمر حواجز مقاومتهم صوت طلقات نارية تخرج من بين العساكر، بين العساكر المسلحين بالهراوات يظهر ضابط يحمل مسدسًا.. الضابط يطلق في تتابع واصرار على القتل.. سقط اثنين من المقاومين أمامكم.. تأخذ خطوة للأمام استعدادًا لتجري نحوة الجثتين لاستعادتهما، لكنك تتراجع.. اقتربوا وفات الأوان.. تقترب المدرعات أيدًا.. الكل من حولكم يسارع بالجري، تجري لكنك تشعر بألم شديد في ظهرك.. تكمل جريك وتعود، تنظر خلفك فتجدهم ما زالوا يتقدمون خلفك، بعض من رفاقك لم يهربوا بالسرعة الكافية.. ها هم أمامك يُسحلون ويضربون.. صاروا على الأرض كالجثث الهامدة لا تعرف هل هم أموات أم أحياء.. تكمل جريك.. انت الآن في الميدان، لكن يستمرون في الزحف نحوكم.. الآن هم يقتحمون الميدان ويفتكون بكل من يقع تحت يدهم، في هذه اللحظة يسارع أحدهم لرمي قذيفة أُعدت على عجل على مدرعة، لكنها لم تكن كافية.. تميز أنت سترته، وكوفيته.. تنادي صديقك بأعلى صوت.. ينظر نحوك، لكن في نفس اللحظة التي أعطاهم فيها ظهره سقط أرضًا.. صرخت.. يقترب منه الجنود فتجده يحاول أن يقوم من مكانه.. ينزل أحدهم بعصاه على رأسه فيسقط على الأرض بلا حراك..

قبل أن تقرر أنك ستذهب لإنقاذه وجدت الجنود يقتربون منك أنت، يسرعون في جحافل ستحكي فيما بعد عنها وتقول أنها تكفي لتحرير القدس.. تبًا لهم جميعًا.. لماذا بالله عليكم يا أولاد الـ...؟!

تجري، تجري وتبكي.. تنهمر الدموع منك، تقف فجأة.. تقرر أنك لن تهرب من المعركة.. تتوقف وتنادي على زملائك.. "اثبت..اثبت".. تلتقط حجرين من على الأرض، وتسارع بقذفهم.. وفقك الله وأصبتهم بهما.. يبدأ زملاءك في مساعدتك.. تلاحظ أن العساكر ينسحبون ووراءهم المدرعات.. تواصلون قذفهم بالحجارة حتى يخرجون من الميدان.. يبدأ الصياح من حولك "الله أكبر! الله أكبر".. تقف مكانك.. تتأمل ما حولك، وتبكي مجددًا.. هناك في وسط الميدان جثة هامدة، لشخص كان أعز أصدقائك..

ما هذا الجنون بالله عليكم؟!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق