عيد أضحى سعيد على الجميع، ومليء باللحمة :D








[ما كان]
-1-
شروق الشمس، يقف على الحافة يراقب تلك المعجزة الإلهية، ويبتسم.
منذ البارحة وهو ينتظر أن يحدث شيء ما، حدسه يخبره أن يتوقع حدوث أمر هام، لكنه لا يدري ما هو.
يأتيه من البارحة- أيضًا- تساؤل عما يحدث في المدينة في تلك اللحظة، عن كل ما تركه وراءه من سنين بعيدة. إلى أي حد اختلفت الأحوال، وإلى الأفضل أم الأسوأ؟
ارتسمت صور في عقله لمن عرفهم، أمه، أخاه، وآخرون لم يعد يهمه وجودهم. أما زالوا أحياء، أم أصبحوا من الماضي البعيد؟. هو قد تنازل من فترة طويلة عن الماضي، وربما المستقبل أيضًا. صارت حياته حاضر لا ينتهي، يملؤه اليأس ورغبة في نهاية سعيدة تبدو بعيدة.
اكتمل شروق الشمس، فعاد إلى باب كهفه، وجلس يراقب الغابة الواسعة من تحته. تبدو صامتة هادئة من بعيد، لا يحرك سكون المشهد إلا بعض الطيور التي تحلق فوق الأشجار. أسدل جفونه على عينيه، ابتسم ابتسامة تكاد لا تلاحظ.
هو يعشق الهدوء، هدوء الأصوات يساعده على الولوج إلى عالم من الهدوء الروحي.
بعيدًا بعيدًا، هناك، على مقربة من سفح الجبل، لم يجد الهدوء في أي يوم من الأيام. مدينته التي عاش فيها حياة يحتقرها، ويرفض أن ينتمي إليها. الكهف مأواه الأول والأخير.
يعود بذاكرته -غصبًا عنه- لذلك اليوم، يزفر، البحر أمامه بلا نهاية حتى خط الأفق، أباه يقول له:
ـــ لأن الحياة معقدة تماما، ولن تستطيع حل كل ألغازها.
نظر نحو أبيه، وجهٌ كأنما رُسم في لوحة اسمها "سؤال"، سأله:
- وماذا سنفعل مع الدائنين يا أبي؟..
- لا يوجد ما نفعله الآن، فلننتظر الفرج.. ولندعو الله أن يأتي قريبًا.
الفقر. كان هو عنوان حياتهم، ولم يكن هذا إنفرادًا..
- هؤلاء المرابين جشعون أوغاد!.
قالها لأبيه، فنهره قائلاً:
- مهما كانوا، لا تجعل لسانك قذرًا من أجل أناس لا يستحقون.
ابتسم وقال:
- نعم.. نعم.. لا يستحقون. لا. بل يستحقون ضرب السيوف!.
- اسكت...
قالها بصوت خافت سريع. نظر إلى مكان اتجاه نظراته فوجد أربعة منهم. يتقدمون نحوهم في خيلاء، في عباءتهم التي ما زالوا يقولون لوالده أنها أغلى منه، حتى بدأ يشعر بالرغبة في أن يحرقها كلما رآها. مع كل واحد منهم سيف ضخم معلق في حزامه، بتار لا يقبل أن يستمر في مبارزة أكثر من دقيقتين. وكانت سحنهم كسحن الشياطين.
أقبلوا عليهما، نظروا لهما في ازدراء، قال أضخمهم جثةً:
- نحن نريد نقودنا أيها الصياد العجوز!!.
قال لهم أباه في صوت متوتر:
- ماذا؟؟ نحن لم نتفق على هذا.. كان اتفاقنا أنني سأرد النقود لكم بعد أسبوعين.
- نريد نقودنا الآن.. وإلا!!
انفعل الأب:
- ليس معي ما أعطيه لكم...
- بل تملك بيتًا.
بدا على أباه أن فهم ما يرمون إليه.
- كيف تطمع في بيت من الطين أيها الشيطان!.
ابتسم بخبث:
- أنت تعلم أنني لا أريده هو بالضبط.
وصرخ أحدهم:
أنت لا تجرؤ على التحدث لأحد منا بهذه الطريقة!
-بل أجرؤ ألف مرة يا ظلمة.
أحس بيد تكتم فمه وأخرى تمسكه بغلظة، حاول أن يقول أي شيء، فلم يستطع، صدر منه أنين خافت.
- يبدو أنك تحتاج من يساعدك على اتخاذ القرارات الحكيمة.
وقال آخر:
- نعم سنأخذه، لعل هذا يساعدك على اتخاذ القرار.
نصل بارد على عنقه، شعر بالفزع، أفلتت كلمة من بين القبضة المحكمة، "أبي!"، يصرخ والده:
- اتركوه. لا دخل له بالأمر.
- لكن أباه له.
لم يتوقع ما حدث، ولم يتخيل أبدًا في اللحظة السابقة ما سيحدث في التالية. شعر بالقبضة الممسكة به تتراخى، ثم سمع صوت سقوط صاحبها:
- سحقًا لك! ستموت!.
أباه يضرب – بالسيف الذي خطفه للتو من يد أحدهم- يد أضخمهم، تناثرت بضعة قطرات من الدم على وجهه، شعر بالذهول، ثم أخذ يعدو. أخذ يعدو ويعدو، حتى وصل للبيت..
وعندما وصل للبيت، لم يكن يريد شيء أكثر من ألا يخرج منه مرة أخرى.
-2-
الشمس تغرب، اللون الأرجواني يكسو السماء، يجلس أمام باب بيتهم على كرسي خشبي متهالك، يتنهد، يتساءل بصوت مخنوق "أين أنت يا أبي؟!". من الداخل يسمع صوت بكاء أمه، عندما أخبرها أخذت تردد من بين نواحها: كنت أعلم، كنت أعلم. سألها:
- ماذا سيحدث لأبي؟!.
فلم تجبه.
أتى أخاه الصغير، يسأله بصوت قلق:
- ماذا هناك؟! أين أبي؟.
يصمت، ولا يجبه، يرى ظلاً يأتي من بعيد، يقف، يقول:
- أبي؟!.
نعم، تدريجيًا يتأكد من هذا، يهتف (ليُعلم أمه):
- قد جاء أبي!.
يسرع يجرى نحوه والفرح يتسلل إلى قلبه، يسمع خطوات أمه تركض وراءه بدورها، يقترب من أباه الذي يسير ببطء شديد، يلاحظ أن هناك شيء ليس على ما يرام، ملامحه تشي –بوضوح- بهذا. عندما وصل إليه أدرك الحقيقة، رأى الدماء على ملابس، (لم يكن واثقًا – في البداية- من ماهيتها، فقد كان لون قميص أباه الداكن لا يُطهر حقًا ما هي)، انفرجت شفتيه، وتساءل متلعثمًا:
- ما..ما هذا؟ ماذا حدث يا أبي؟! ، لكن أباه لا يرد، يحاول أن يبتسم لكن ابتسامته واضح فيها الألم. يسقط على ركبتيه. تصل أمه، تشهق، تهتف في فزع:
- ماذا حدث لك يا (عامر)؟.
كلمة واحد ينطقها: (ابن عثمان)، ثم يسقط أرضًا. يدعو عليه –ابن عثمان- ويردد:
- اللهم انتقم لنا منه.. اللهم انتقم لنا منه.. اللهم انتقم لنا منه. اللهم إنه قد علا واستكبر، وظلم وتجبر، فزلزل الأرض من تحت أقدامه، وسلط عليه غضبك، إلى يوم الدين.. وحسبي الله ونعم الوكيل!.
وأغمض عينيه، وفقد الوعي، تاركًا لهم مهمة تخيل الهول الذي أصابه.
-3-
"لكن من هو ابن عثمان يا (بدر الدين)؟".
يقولها له أخاه، فيعود بذاكرته لتلك الليلة.
* * *
هناك ما يؤرق أباه.
هو على يقين من هذا، تلك النظرة الشاردة التي تطل من عينيه –أبيه-، وعدم نطقه لكلمة واحدة منذ عودته، سوى التساؤل إذا كان قد روى الفول والبطاطس اللذان يزرعونهما بجانب المنزل؛ وامتناعه عن الأكل: يأخذ اللقمة، يضعها في طبق الفول، يقلبها، ثم بعدها يتركها ولا يأكلها!. كل هذا يشي بأن هناك ما يؤرقه. لكن ما هو؟؟
أراد أن يسأله، لكنه خاف –كذلك- من ذلك الهم العظيم التي يخفيها أباه، بكل تأكيد سيكون شيئًا يثقل صدره هو أيضًا.
لكن أباه بادرهم في لهجة حاول أن تخرج هادئة:
(ابن عثمان) يريد بيتنا.
ضربت أمه بيدها على صدرها، (فمجرد ذكر (ابن عثمان) في أي أمر يعني أن هناك مكروهًا سيحدث!)، وقالت في فزع:
- ابن عثمان!.. وأي بيت يريد؟ بيتنا هذا؟!.
فقال أباه ساخرًا "وهل نملك بيتًا آخر؟!"...
أعني.. لماذا؟!
- يريد هو بيتًا كبيرًا بجوار البحر، يكون بجانب سفنه تجارته.
- بيتنا؟!!.
لم يتمالك نفسه، ضحك ساخرًا، وقال:
- بالطبع لا.. سيبني مكان بيتنا بيت آخر.. (أبو هاشم)- جارنا الذي لم يعد كذلك- قالها لي، لقد باعه بيته مجبرًا، خوفًا من بطشه.
تصمت أمه للحظة، كأنما تفكر، قبل أن تقول بنفس النبرة الفزعة:
- وماذا ستفعل؟.
- لم أقرر بعد..لكن المشكلة الحقيقية ليست في هذا!.
فسألته مسرعة:
- إذن ماذا؟.
أبعد طبق الفول عنه، وأسند ظهره على ظهر المقعد، زفر، وقال:
- المشكلة أنني بالفعل مديون لـ ابن عثمان، وهو يعلم بأنني لن أستطيع رد الدين!
يوم وراء يوم، تتراكم الديون، لتصبح الحياة جحيمًا.
"ماذا؟". قالها (بدر الدين) بدون أن تخرج من بين شفتيه. "منذ متى وأنت مديون منه يا أبتي؟".
وقالت أمه:
- لماذا؟
- ..حتى نعيش، لأننا، كباقي الكائنات البشرية، نحتاج للخبز كل يوم!" قالها بلهجة ساخرة، وقام للنوم.
هو يعلم أنه لن ينام هذه الليلة، سيبقى يحدق في السقف، مهمومًا، إلى الصباح.
* * *
وهكذا حدث ما كان.


الطبعة الحداشر

لا شك أن هذا الكتاب استطاع بدون مجاملة أن ينتزع مني كميات من الضحكات، قليل ما ضحكت مثلها وأن أقرأ كتب ساخرة أخرى..
بلا شك يتميز الكتاب بخفة الدم وروحه المرحة، لم أكن أعرف أن عصام منصور – كاتب الرعب المميز - كاتب ساخر أيضًا بهذه الجودة إلا بعض أن قرأت هذا الكتاب..
الكتاب التهمته في أقل من ساعة – فهو قصير إلى حد كبير – لكننى استمتعت بكل صفحة به..
يقول الكاتب في مقدمته – مقدمة طويلة المدى – أنه فعليًا كتب المقدمة قبل كتابة الكتاب نفسه، لخمسة أسباب مهمة، وهي:
"1) لأنني كنت أحلم بصدور كتاب يكون ضمن أفضل المبيعات، ويا حبذا لو وصل للطبعة الحادية عشر، حتى أنني قررت تجهيز مقدمته مسبقًا، ولا تدع هذا يلبس الأمر عليك، كالسؤال الشهير: من يأتي بالآخر البيضة أم الدجاجة؟
2) لأنني قرأت كتابًا مهمًا جدًا ذات مرة، لم يكتب في مقدمته أي شيء له علاقة بالمحتوى!
3) لأن المقدمات المحسوبة تشعرك بأنك ذلك السخيف الذي نصب له أحدهم شركا بحيث يعرف كل حرف مسبقًا، وهكذا يتفنن في إغراقك بالقراءة وربما يغيظك قائلا: يا جاهل.. اعرف كل حرف مما أنت مقبل عليه، فددعني أتحذلق قليلًا..
4) لأنني خشيت أن يحرق الكتاب بتهمة الهرطقة، أو تصارد كل نسخه بتهمة الخيانة، أو ينفد من السوق بعد أن تبتاعه عائلتي حتى لا أموت قهرًا، أو يسقط عامل المطبعة عليه شايًا فتخرج كل النسخ باهتة، أو تستشري فيه الأخطاء المطبعية.. فهكذا أضمن مقدمة سليمة عندي منها مئات النسخ!
5) لأنني أردت تجربة لوحة المفاتيح الجديدة!".
ينتقل بنا الكاتب بين فصول متنوعة ومميزة لكلهم مذاقه لا يجتمعون إلا في خفة دمهم.. ففي فصل " الافتكاس في الشرح للناس" سوف تدرك معاني تلك الكلمات الغريبة التي تسمعها على أنه لغة الروشنة، وفي نفس الوقت الوقت ستعرف معاني كلمات فصحى كثيرة لا يعرفها فئة كبيرة من الناس.. في فصل "الاستحمار السياسي" ستجد تعريفات كثيرة سياسية سيتذهل – ستذهل بمعنى ستذهل – عندما تعلم معناها الحقيقي.. وأقتطف لك من الكتاب:
"(التأثر السلبي للحصة المؤقتة) .. أما المدرس يبقى غايب وفي حصة إحتياطي، ممكن يبقى في سلب وشتيمة!
(التشنج اللاأخلاقي) .. العيل لما يعيط بيتشنج، إنما لو تف عالأرض يبقى لا أخلاقي!
(عجز الموازنة).. من غير فهلوة ولا حاجة.. أم (وازنة) دي ست طيبة، جالها عجز!"
أما فصل " ماشفش الفساد... أصله معداش على مصر" يعود بنا الكتاب لسؤالين كان يحبهما في دراسته هما الصح والخطأ ، والاختر؛ ليستخدمهما في نقد لاذع للأحوال المتردية من حولنا..
أما في فصل "الطبعة الحداشر" فيجعلنا الكتاب –بعد فاصل متواصل من الضحك – ندعو لتحقيق رقم الطبعة الحداشر، كي يحقق حلمه في غرفة نوم له وحده!.
