حول نظراتك من الواقع إلى ذكريات غابرة.. استحضر شريط الماضي؛ كي تغضب.
صدقني – ساعاتها – ستغضب.
جاءك أمس ذلك الأحمق المغرور – تذكر ؟، قال لك أنه يريدك أن تقوم بشيء هام له، ولكن هذا لا يعني أنك هام بالنسبة له بدورك!.. عرض عليك ذلك المبلغ الزهيد، وهو يبتسم.. ويوقن أنك لن ترفض. فأنت – على الأقل – تحتاج الطعام!
بكل ما في نفسك من قوة، أطلق زفرة..
كأنك تلقي معها آخر قطرة رحمة.. في قلبك المجهد.
لا تهادن.. لا تستوقفك لحظةً نظرة شفقة منهم.. اعمل على أن تكون سيدهم، لا خادمهم..
هذا هو طريقك الوحيد..
ولتكن (فوبيا) جديدة تسري في أعصابهم، تهدمها.. ( فوبيا ) تبدأ باسمك الذي لم تجد الفرصة أبدًا أن تتأمله.. فأنت دومًا تعمل..، تخدم.. تُـهان.
.................
أجبه اليوم أنه لا حاجة لك به، أو بأمواله القذرة.. الحقيرة.
أظهر له أنك لا تريده، أظهر له أنه لن يستطيع أن يلوي ذراعك بعد اليوم.
قل له أفظع السباب الذي تعرفه..
................
وحان وقت أخذ المقابل منهم..
توجه نحو المطبخ.. إفتح الدرج.. شمر عن ساعديك..
وأمسك سكينك.
فلتشعر بالقوة تجري فيك.. والإصرار..
كن الأقوي.. وادفعهم – هم – نحو الإنتحار..
لا تترك لهم مجال للفرار – هؤلاء الملاعين –.. فليدفعوا الثمن الأول، ولتقطع أحذيتهم التي داسوا بها عليك مرارًا ..
ثم فليذهبوا للجحيم ذاته بعدها.
حتى الآن لا تجد القوة الكافية، لإتخاذ الخطة التالية؟؟
يبدو أنك لا تتذكر جيدًا بعد.. لا شك في أنهم قاربوا على قتل عقلك المسكين. لابد أنهم سمموه بسمهم الأسود. نزعوا عنه كل القدرة على التفكير..
حاول مجددًا..
لا تنظر نحوي بهاتين العينين الزائغتين..، ورجاءً – لا تكن أحمقًا..
أنفخ الهواء من صدري بقوة، ثم أتنهد. قلت له مرارًا: -"أنت أحمق!". ولم أكن أعنيها. فيما بعد بدت لي الحقيقة الصريحة. قال وهو يحلم: -"بداية جديدة.. ذاكرة جديدة = حياة سعيدة". نظرت له ساخرًا وقلت: -"أبله!". -"لست كذلك... فكر في الأمر..". قلت له ألا يكون أحمقًا.. الحياة -يومًا- لن تكون بهذا السوء.. لابد من شيء واحد صغير فينا -على الأقل- يحببنا في الحياة/ نعيش لأجله. -"عندما تملك ذاكرة جديدة لن تتحسر على ما فاتك".. -"وماذا إن لم تكن الحياة الجديدة أفضل -بشيء- من حياتك الأولى". صدمه الإحتمال، لكنه -أبدًا- لم يتراجع عن رأيه. أتذكر هذا وأنا أرمق الدنيا من شرفتي.. أتذكره جيدًا جدًا. يعد أن تخسر كل شيء؛ ستجد - بكل تأكيد- نظريته هي شيء رائع - لا يستطيع التحقق. هو لم يجد حلمه إلا في الموت. وأنا بدأت في التفكير -جديًَا- في كيفية اللحاق به!..
أما التعليق: مشروع جيد للكتابة، لا يعتمد على الحدث أو السرد، وإنما ينطلق من فعل الأمر وضمير المخاطب، ومع ذلك ينجح في أن ينجز صراعاً متنامياً ثلاثي الأطراف، ثم تأتي النهاية (المفارقة) بالتحول إلى صراع ثنائي بين الطرفين الضعيفين، ينما يترك الجاني منتصراً.
وهكذا تجسد القصة غير التقليدية، أزمة المهزوم وعدم قدرته على المقاومة، فينتقم من نصيره. هذا المعنى يمكن أن يحمل أبعاداً رمزية لحالنا، مصريين وعرباً.
لكن لابد من مراجعة الأخطاء اللغوية.
د. سيد البحراوي أستاذ الأدب العربي الحديث بكلية الآداب، جامعة القاهرة
- بما تتميز الدائرة ؟ - بأنها بلا نهاية . - ولا بداية أيضًا . * * *
نظر لأعلى فوجد النسور تحلق في دوائر. للسماء نظر فوجد الكواكب تحلق في دوائر. السيارات، والناس، وكل شيء.. يتحركون في دوائر.صارحه بخواطره تلك، ليقول له متفلسفًا بعد أن رفع كوب الشاي عن فمه: - عادي.. ماهي الحياة كده.. ده حتي الأرض مدوره!
كانوا فتيةٌ ثلاثة، تبدو عليهم النضارة والتنعم ، لكن وجوهم بدا عليها فزعٌ مبهم ، أطفأ زهوتهم ، و طفا على وجوهم بالشحوب، بعدما فاض عن قلوبهم ..
-" لا أعرف ..رغم إحساسي الكريه الذى يحوم حول هذا الباب ، وهذه الشقة عموماً .. الا أننى لازلت أقول أن الأمر كله من نسج خيال ذلك الأخرق، الذي غرس فى نفوسنا الوهم منذ البداية !"
-" وها هو الحل الوحيد والنهائي للخلاص من هذا الوهم !"
- " ولكن .. "
- " بلا لكن !"
* * *
-" هذه الشقة تروق لى حقاً ، يا ( محمود ) . "
-" أما أنا فلا تروق لى البتة ، وأشعر بإنقباض فيها . "
-" كفاك تشاؤماً يا ( عمر ) ، هذه الشقة جيدة حقاً ."
قال ( محمود ) وهو يدور بنظره فيها :
-" عندك حق يا ( أيمن ) ، إنها تروق لي أيضًا ."
-" لا أعرف يا ( أيمن ) ما الذى تراه في (محمود ) ، لكننى لست أرى أن البيت المثالي له هو بيت يطل على المقابر ."
-" حقا !؟ "
* * *
قال صاحب الشقة السابق :
-" لا تفتح هذا الباب البتة ."
-" ولمّ ؟ "
-"فلنقل أن وراءه أشياء لست تتتمناها أبدا.. "
* * *
اليوم الأول ..
جلس وحيدا، لم يجد شيئًا يفعله إلا قراءة هذا الكتاب الذي يعلم أنه أسوء ما يقرأ في وحدته .. لكنه يشغل فراغـه !
بدأت أعصابه تتوتر، والأحداث فى الكتاب تتصاعد ..و الأشباح ستقتله و ... يبدو أن ذهنه مرهق حقًا ؛ فقد تداخل الواقع مع خيال الكتاب!
كان ذلك حين دوت الطرقات ..
نظر نحو الباب بطرف عينه ، وكاد أن يثب من مكانه ..
فقد رأى ذلك التجسد ..
* * *
هل رأيت من قبل طيف، أو شبح ؟
حسنا .. هذا هو ما يظن أنه رآه ..
بشعا كان .. باهتا كان .. كمهرج بدا ، لكن لمحة من حزن غاضب أضفت الشر علي وجهه .. وعلي شفتيه إبتسامة دموية ..
تساءل و أسنانه تصتك ، وقلبه يكاد يتوقف :
-"من .. من أنت ؟"
-"الباب .. الباب!"
أخذ يكرر تساؤله :
-" من أنت ؟مــن أنـــت ؟.. مــن ..."
قاطعه :
-" لن تستطيع الهرب..!"
قالها ذلك الشيء ، وقد علت دقاته أكثر..ثم قال :
-" ميتٌ ميتٌ أنت .. فتحت أم لم تفتح !
قاتلك الخوف إن لم تفتحه ، وقاتلك الهول إن فتحته ! "
* * *
رنين الهاتف ..
رد ناعسا :
-"آلو .."
- " ( عمر ) ! إلحقني ! "
مفزوعا رد :
-" ماذا هناك ؟ "
- " شبح !! "
* * *
-" ماذا حدث ؟ "
بلهجة هستيرية أجابه :
-" شبح .. الباب .. شبح ! "
لم يفهم شيئاً بالطبع ، لكنه أخذ يحاول أن يهدأ روعه .. وأخيرًا تكلم ( أيمن ) :
-"ماذا حدث بالضبط ؟ "
-"كان هناك .. أمام الباب، يضحك بوحشية .. ويردد : الباب .. الباب ! "
تبادل ( عمر ) و ( أيمن ) النظرات، أحسا أن ( محمود ) لا يهذي..
لأنهما أيضًا شعرا بذلك .. بأن هناك شيئٌ ما حول هذا الباب .
* * *
تركا ( محمود ) يستريح قليلًا ..
بدأ ( عمر ) الحديث ، مخاطبًا إياه :
-" ماذا ترى الآن ؟"
-" أراه مجرد تفاعل مع تلك الطاقة النفسية للباب ."
-" وماذا لو لم تكن طاقة نفسية ..؟"
- ماذا تعني ؟!"
بعصبية قال :
-"أقصد طاقةً من نوعٍ آخر !"
تنهد في ضجر، قبل أن يقول :
-" وماذا عسانا نفعل ؟ "
* * *
تركاه ليلاً ، على وعدٍ بالمجيء صباحًا .. نظر نحو الباب بغل ..، صار يناصبه العداء ، وأصبح يشعر نحوه بالحقد..، بمزيجٍ من الخوف والتقزز .. بدأ يسمع الدقات على الباب مرةً أخرى ، هذه المرة لم يتحرك .. لم يتحرك البتة .. لوهلة شعر أنه تجمد في مكانه من الجزع.. قبل أن يتمالك نفسه ، ويقرر أنه سيقاوم هذا الشيء .. سيظل معه حتى نهاية المطاف .
ظهر الطيف نفسه .. نفس التجسد البطيء المرعب .. خطر له أنه لو كان يظهر فجأة ، ولا يتجسد ،لكان هذا أهون .. لكنه طرد هذه الأفكار من عقله ، وهو يراقب ذلك الطيف في إنتباه ويقظةكالقط . يريد أن يفهم كنه ذلك الشيء ومن أين يأتى.
بوحشية إبتسم الطيف ، أخذ يطرق على الباب برتابة، وإبتسامته تتسع .. وتتسع .. وتتسع .. و مع أصوات الدقات .. كان يهز رأسه معها كأنما يتلذذ بهذا ..
-" تك .. تك ."
كان هذا كفيلًا بتحطيم أعصاب ( محمود ) .. وأخذت تلك الدقات تدوي في أذنيه ..
وفجأة ، قفز الطيف على ( محمود ) بوحشية ، وقد إستحالت يداه إلى مخالب ، وإبتسامته إلى ثغرٍ مفتوح تظهر منه الأنياب ..
صرخ مـفزوعاً .. قفز من على الأريكة ، وأسرع يعدو إلى غرفته .. أغلقها عليه .. وقفز على فراشه ..واخد يصرخ بشدة وصوته مبحوح ، يأبى الخروج من فمه ...
وراح يبكي !
* * *
-" هيا ! "
قالها ( عمر ) وهو يمد يده لـ ( محمود ) ، قبل أن يتبعها بـ :
-"أعطني المطرقة ! "
بيد مرتجفة ناوله إياها، وقال ( أيمن ) بصوت متوتر :
-" أنا عن نفسي أرى أن الأمر كله حماقة كبيرة !"
-" إذن لماذا هذا القلق فى صوتك ؟ "
فاحتقن وجهه وسكت ..
رجع ( عمر ) بيده إلى الوراء ، كي يزيد ضربته قوة ، ثم إندفع بالمطرقة نحو القفل ؛ ليكسره ..
سقط القفل علي الأرض بصوت مدوي ، وامتدت يد ( عمر ) تفتح الباب ..
أمسك المقبض .. نظر لـ ( محمود ) و ( أيمن ) ، بدا أنه يواجه لحظة تردد ..
حافظ ( أيمن ) على تعبير وجهه الموحي بالضجر ، والإمتعاض .. لكن ( محمود ) هز رأسه له ، بمعني "هيا " ..
أدار المقبض ..و..
وتراجع بسرعة .. ثم سقط على الأرض !
صرخ ( محمود ) مذعورًا :
-" ماذا هناك يا ( عمر ) ..؟!"
لم يرد ..فقط ظل فى مرقده على الأرض ؛ كما لو كان جثةً هامدة ..
شعر ( محمود ) بشعور غريب ..
سمع تأوهًا يصدر من ( أيمن ) ..
التفت ؛ ليجده قد سقط على الأرض – بدوره – ، وراح ينتحب وهو يرتجف ..
وفجأة..شعر ( محمود ) بتلك القبضة الغريبة تضغط علي قلبه ..
تمضي الموجة وراء الموجة ، لا نشعر بها وسط الأخريات .. لكن فقط لو نقترب !
هل تعرف ما هو الموج ؟
إذن دعني أعرفك بها ..
* * *
موجة تأتي عبر البحار .. ربما من أعماقه، وربما من ما وراء خط الأفق .
من بعيد .. من مواطن لا نعرفها ..، تحمل سرًا أغلبنا نجهله .. حاول البعض أن يعرفه .. أن يسترق السمع من همسات الموج بين بعضه البعض .. لكن لم يستطيعوا .. ولا واحدٌ منهم إستطاع..
عندما تأتي .. وسط الزحام لا نراها ..، وحتى إذا لمحناها لا نهتم .. لا نعرف ما تخفي .. لا نحاول أن نزيل تلك القشرة عنها ؛ لنعرف جوهرها .. تحاول أن تبوح بما فيها .. تحاول أن تبوح بسرها .. بمكنونها ..لكنها – وفى النهاية – لا تستطيع ..وتنتهي ؛ لتأتي أخرى وراءهــا !
في نهايتها ترتطم الموجة بالشاطئ مدوية ...، تصيح بأعلى صوتها ؛ آملةً في آخر لحظاتها أن يسمع لها أحدهم .. لكننا لا نفهمها .. نحن أبدًا لا نفهمها ..
تعلثمت قليلاً ، لم أصدق فى بدء الأمر ، كان يناولنى قطعة من الحلوى الملفوفة فى أوراق بهية ملونة ، نظرت له ، إبتسمت له بإمتنان الدنيا ، أحسست بسعادة غامرة فى قلبى .. لم أصدق ، أما زال هناك أحد يهتم بى ؟؟
بادلنى الإبتسامة ، أشرقت على وجهه الناعم النظيف ، قمة التناقض هى ما جمعت بينـنــا ، لكن – وفى أول أيام العيد – وجدته يناولنى تلك القطعة مبتسماً .. قائلا لى ، وهو يمد يده إلى مبتسماً : - " تفضل .. "
مددت يدى نحو يده ، وأخذت قطعة الحلوى ، بالتأكيد ما قدمه لى أكثر من قطعة حلوى ، ربما هو الأمل ، أن أكون إنساناً كالآخرين ، أن أشعر بالسعادة ، والرضا عن النفس ..
أعطانى القطعة ، و أشرقت إبتسامته أكثر ، وبدت حمرة خجل خفيفة على وجهه ، إزدادت إتساعة إبتسامتى ، أحسست بنفسى أشع ضوءاً ..
من بعيد لمحت أمه ، نظرت له هو ، إذن فقد جاء لى من عالم الراضين عن أنفسهم ، الذين لا يتساءلون : من أين سيحصلون على قطعة الخبز اليابسة القادمة ، التى تكف الجوع عنهم ؟ هاهو يتنازل عن شيئاً كان يملكه ، ويهبط من عالمه ليناولنى قطعة الحلوى ؛ لأسد بها جوعى .. نظرت نحوه ثانية شاكراً ، لمحت منها هى أيضاً الإبتسامة ، لكن ، ولجزء من ثانية ، ظهرت على وجهها تعبير غريب ، كما لو كانت تحث صغيرها على القدوم ، سريعاً ، ربما هى مستاءة من الأوساخ التى تغطى وجهى ، ربما مستاءة من الخرق التى أرتديها ، لكن فقط .. لو رأيت ما بداخلى ، لأكتشفت مالم يكتشفه بشرٌ من قبل .. أننى إنسان .. !
نحو الصغير نظرت ، شعرت به فخورا ، شعرت به مسرورا ، لاشك أن قبس من نور سعادتى قد وصل مس قلبه ، فجعله يضيء بدوره ، و للحظة ، لم أر فـى الدنيا كـلها - فى تلك اللحظة - إلا أنا ، وهو ..
نادته أمه ، صائحةً : - " هيا يا يحيى .. "
نظرت نحوه ، قلت بصوت حمل إمتنانى : - " شكراً يا يحيى .. "
قال لى ، وقد إحمر وجهه من الخجل : - " عفوا .. "
إذن فاسمه يحيى ، لاشك أن والداه كان يعرفان ماذا يفعلان ، عندما أطلقا عليه هذا الإسـم .. هو من أحيا الأمل فى قلبى ، و الشعور بالسعادة .. والفرحة ..
رأيته يسرع نحو أمه ، بينما أنا أردد : - " وداعاً .. يا يحيى .. "
أمسكت أمه يده الصغيرة ، و قالت له بعض كلماتٍ ، لم أسمعها ، لكننى خمنت أنها كانت تهنئه ، وتشرح له ما أدخل على قلبى من سعادة .. لكنها – أبداً – لن تفى حق هذه السعادة ، المتأججة فى قلبى ..
سرعان ما اختفى كخيط من الدخان .. أنا متأكد أنه ليس له بيت هنا ، بل ليس له مكان على وجه البسيط .. إنه ملاك ، من السماء جاء ، وللسماء يعود ..
نظرت نحو قطعة الحلوة الصغيرة ، الموجودة بين يداى ، وضعتها فى جيبى .. سأحتفظ بها ، فهى أثمن ما أملك ، ولا أظن أن سآكلها أبدا .. برغم كل شيء ، قد جعلنى أؤمن هذا الصغير ، بأنه – حتى لأمثالى – هناك لكل شخصٍ عيد ..
كان ينطلق بأقصى سرعة ممتطياً فرسه ، عبر المسار الترابىالذى يشق الغابة.. وعقله مملوء بالأفكار، والألغاز..
باحثا عن حل لكل ذلك فى رحلته هذه ..
استمر الفرس بالإنطلاق ، وهو فوقه يتحسس الحبل الذى آتى به من حين لأخر ، ويطمئن لوجوده..
ثم أدرك بعد فترة أنه وصل لوجهته ..
قفز من فوق فرسه فى قوة، حتى ان نعله الإغريقى أصدر طقطقة عالية من إرتطامه بالأرض .. ونظر لوجهته التى ركب المخاطر لاجلها..
الجبل المقدس ..
* * *
قال العراف بصوته الغريب ، المبحوح :
-"اننى أرى طالع ابنك امامى .. سيكون ذا شأن كبير ، لكنه سيحدث فوضى غير معتادة ، فى حياة قريتنا هذه .. "
كان طفلاً وقتها ، وكان يسترق السمع من وراء الباب لما يقوله العراف لوالده..
كانت العادة فى قريته البسيطة ، والتى نشأ بها..أن يستعين الآباء بالعرافين لمعرفة طالع أبناءهم ..ويستبشرون ، و بالطبع كان هذا سبب قدوم العراف ..
-" سيحاول جلب المعرفة والرخاء ، لبنى الإنسان .. لكنه سيتجاوز الحدود ..
الحدود التى وضعتها الآلهة لمعرفة الإنسان .."
ثم اضاف وعينينه تتسعان فى رعب غريب :
- ولكن مالم تقله النجوم هو إذا ما كانت الآلهة ستوقفه عند حد .."
انصرف الصغير من مخبأه الصغير وراء الباب ، وذهب لغرفته مهموماً ، وقد احس ان ما قاله العراف عنه ليس بشيء مُفرح على الاطلاق ..
* * *
نفض الذكريات عن نفسه ، وأمسك بالحبل .. وربطه حول نفسه وهو يغالب مخاوفه ويحاول ان ينتصر لطموحه ، على كل إنذارت العراف التى كانت تدق فى أذنيه منذ صغره ، ولا تزال حتى تلك اللحظة ..
ونظر نحو قمة الجبل الذى قدسه الإغريقيون ، وقالوا أن على قمته تخفى الآلهة أعظم أسرار العلم ، والقوة ..
الجبل الذى قيل عنه أن الآلهة بكل مالها من سلطان وجبروت تحميه ..
نظر حوله فى وجلٍ وقد بدأ يرتجف ، ويحاول ان يغمض عينه،ويسحب انفاسه فى قوة مستجمعاً كل ذرة شجاعة فى قلبه..
* * *
كبر ، و أصبح شاباً يافعاً .. شديد القوة والبأس ..
وبدأ يراوده حلم ، طالما تمنى أن يتحقق فى الواقع .. المعرفه .. تمنىأن يصعد الجبل المقدس ..ان تتجلى له كل الأسرار ..
كان يتذكر مشهد العراف ، وهو يذكر لوالده تنبؤآته عنه فى صغره .. فيتساءل .. هل ما تبنأ به العراف صحيح ..
أم أن نبؤة العراف ، هى التى دفعته للتفكير فى مثل هذا ؟
لقد قالت أمه لوالده يوما بصوت يملؤه الذعر :
-"الحق ابنك يا رجل ، لقد بدأت تظهر عليه العلامات التى دلنا عليها العراف .. وبالفعل قد أصبح شاباً قوياً ، يحب المغامرة أكثر من حبه لحياته...."
قاطعها الأب بضجـر ، قائلاً :
-" وكـم من شاب قوى يحـب المغامرة فى هيـلاس ( اليونان ) يا إمرأة ! ثم مـاذا أفعـل له ؟ "
قالت له ، وهى مازالت تحمل ذعرها :
-" خذه معك .. نعم .. هذا أفضل حل .. فليبتعد عن هنا .. وينسى كل شيء ، ويعمل بجد حتى ينسى تلك الخواطر والأفكار .. "
-" لن يشكل ذلك اى فرق .. لو ان مصيره قد كتب عليه فى السماء ؛ فقد قضى الأمر .. "
-" ويحك يا رجل ! أتقول قد قضى الأمر ، وترفض حتى أن تتصرف ..
يجب أن نفعل له أى شيء نستطيعه .. حتى لو لم يكن فى يدينا شيء ، فلندعو الآلهة أن ترد عنه هذا المصيـر..
اليست الآلهه قادرة على تغيير ما سطرته أيديها ..؟ "
قال الزوج بهدوء ، محاولاً طمأنة امرأته :
-" حسناً .. سآخذه معى فى رحلتى القادمة ، وأنت عليك بالصلاة ، وانظرى ان كانت الآلهة تقبل منك قربانا.. "
نظرت اليه وعيناها تدمعان وأومأت فى صمت ..
* * *
إقترب من الجبل وبدأ يتسلق ..
كانت العزيمة تملؤه ، وتجرى فى عروقه كلما اقترب من هدفه.. وتملؤه بالرغبة والتحمس وتلقى بالخوف بعيداً بعيداً فى الجزء المظلم فى عقله ، حيث يكون شيئاً منسياً ..
سيذهب للقمة و يعرف سرها المجهول .. حتى لو كانت جحيماً يعذب جسده .. لكنه سـيريح عقله ، ويروى فضوله ..
لقد حان وقت معرفة الحقيقة ، التى يخاف الكل من مجرد محاولة معرفتها ..
* * *
إنطلق مع أبيه فى رحلة تجارية ، لبلاد الفينيقيين ..
فوجئ أول الرحلة بوجود صديق صباه معه ، على نفس السفينة التجارية الضخمة ، فكان يمضى معه الصباح .. بين العمل ، والحديث.. وكان يبوح له بكل مافى صدره ، بما فى ذلك رغبته التى لا يفصح عنها لأحد ..قال :
-" كم أتمنى يا صديقى أن أعلم كل أسرار ذلك الكون المجهول ، ولسوف أسخر معرفتى بعدها لخدمة وتطور البشر .. "
ابتسم صديقه ابتسامة واسعة ، وهو يقول :
-" نعم ، يالها من قوة .. قوة المعرفة تلك .. ليتنا نمتلكـها ، لنـنعم برخـاء كبيــر ..لكنه حلم .. مجرد حلم يا صديقى .. "
وبـدا أن صديقه كـل ما اهـمه من الفكـرة ان ينـعم باحلام الرخاء والرفاهية ، وتركه هـو يفكر فى سـر المجهول ، وكيفية ادراك الأمل العظيم ..
كان يبغض عمله فى هذه الرحلة ، يشعر بإحتقاره ، ربما تكون هذه الرحلة منتهى آمال أى شخص عادى ، لكنه كان يريد أن يقوم برحلة أعظم وأهم !
وعند نقطة ما لم يستطع الاستمرار، وقرر أنه لابد فاعلٌ شيئاً ، فى طريقه الذى قرره لنفسه ..
* * *
-" حتى انت يا أعز أصدقائى ! "
قالها بحزن ، وضوء القمر يسقط على سطح السفينةفيضىء قلبه بأمل ، فى تحقيق حلمه..
رد عليه صديقه بخجل :
-" آسف يا صديقى ..! لكننى أرى أن من الحماقة تجاوز الحدود .. خاصة هذه الحدود ..
الجبل بالذات قد حُرم علينا منذ الأزل ، وإلى الأبد . "
-" لكننا تعاهدنا على أن نتعاون معاً ، لنكتشف الأسرار ، ونتقدم بأثينا أولاً .. ثم البشر جميعاً .. "
قال صديقه وهو يهز رأسه :
- " كلا يا صديقى لقد وافقتك فى كونه حلم جميل .. لكنه لا يتعدى الحلم الجميل .. الأمر أصعب من ان تستهين به .. "
قال له وهو يحاول أن يُهدئ نفسه ، ويطمأنها أنه ليس بحاجة لأحد :
- "حسنا لك ما تريد .. ولكن اطلب منك شيئا واحداً ،بحق الصداقة التى طالما جمعتنا .. لا تردد كلمة واحدة مما بحت به اليك ، امام اى شخص مهما كان .."
وانصرف وهو يتمتم فى غضب ..
-" جبان .. هذا هو انت ، لكننى سأصعد وحيداً .. "
* * *
إقترب من القمة .. وهو يلهث من الظمأ ، والإرهاق يكاد يتمكن منه ..
أحس بأن انفاسه ثقيلة ، وعقله يفقد الكثير من تركيزه.. نظر تحته ..
رأى الأرض بعيدة عنه ، فابتسم برضا .. انها سعادة من وصل لمناه ..
خطر فى باله أنه فى ارتفاعه ذاك ، قد ارتفع فوق كل هؤلاء الذين رفضوا مشاركته رحلته وبحثه ، بل واستنكروها ..
ها قد شارف الوصول ، والآن .. سيعرف كل شىء ..
هاجمته الأفكار والترددات ، تحذرها ،وعلا انذارها فى عقله..
قاومها بكل اصراره ، وقال لنفسه بصوت أجش ، زاجراً عقله :
- " كلا ، ليس هذا وقت التراجع ، لقد قضى الأمر.. ! "
واخذ نفسا عميقا وهو يثبّت نفسه متمتما :
- "ماهى إلا خطوات أخرى ، وأصل للقمة الغامضة .."
وفجأة ، ارتعد بشدة وفرقعة انهيار جزء كبير من الجبل تهز الارض تحت قدميه !
* * *
فى الساحة الكبيرة فى السوق وقف الناس ، و هم يرون ذلك الشاب المتحمس يستعد للإنطلاق فى رحلته ..
خطب فيهم ، فمنهم من تعجب له ،ومنهم من اشفق عليه ..
لكن لا احد استطاع ان يؤيده .
-".. لقد ظننتم أشياء كثيرة ، وقدستم أشياء أكثر ..
أفما آن لكمأن تعرفوا الحقيقة ؟ "
تساءل البعض وأصواتهم تحمل نبرة سخرية خفية :
- أى حقيقة ؟ "
أجابهم :
- " الظنون التى صنعتوها ، لتحولوها حقائق ثابتة ..
ما أدراكم أن العراف يستطيع قراءة النجوم .. وهو مثلكم بشر ؟
لماذا تقدسون الجبل .. ولم يصعده احد من قبل كى يعرف حقيقته؟
لماذا يا زيوس كتبت عليه هذا المصير ؟ لماذا ابنى دون كل البشر!"
وبدأ الناس ينصرفون كل الى مشاغله ..
* * *
قفز من مكانه وتمسك بصخرة كبيرة تعلوه وصرخ والارض ترتج حوله:
-" كلا .. كــلا .. ليس الآن .. ليس بعد ان وصلت ..! "
إستجمع قواه ، واخذ يقفز من صخرة الى اخرى ،معتمداً على عضلاته المفتولة الشابة ، وربما اعتمد اكثر على القوة الروحانية ، التى منحها له اقترابه من هدف عمره ..
قال لنفسه فى راحة ، وقد وصل للقمة :
- " رباه ! إنى هنا .... اننى اقف فوق القمة .."
كان إرتجاف الجبل قد هدأ ..
نظر حوله فى رهبة وتوجس ، ها قد حان الوقت أخيرا لنزع رداء الغموض عن الجبل..
لم ير شيئاً غريبا ، أو مختلفا عن باقى الجبال .. ثمة شجرة أو إثنتين و صخور رمادية صامتة ، وبعض الجليد هنا وهناك..
كان الضباب يغلف المكان بالغموض .. جال بنظره ، وهو يلتقط أنفاسه ..
إذن فقد أخطأ الإغريق كل هذه السنوات الطويلة فى تقديس الجبل ..
لقد عرف الحقيقة الآن الحقيقة حقاً ، رغم انه لم يحصل على اسرار الكون التى قيل أنها على هذه القمة ..
حاول ان يبحث ويبحث ..
اخذ ينادى الآلهة باسمائها واحداً واحداً ..
نادى ( زيوس ) ، و ( أبولو ) ، و ( أثينا ) ..
وحتى الشريرة ( هيرا ) ، التى كان يخشى نطق اسمها من قبل ، ناداها ..
مر الوقت واحس انه يختنق .. وقرر انه اكتفى بمعرفة حقيقة الجبل الواهية ..
ركل صخوره بقدمه محتقرا أياه ..
واحتقر كل يوم قدس فيه ، مع الآخرين ، ذلك الجماد الغبى ..
قرر العودة ، وكشف حقيقته الحقيره لكل البشر المخدوعين ..
واتجه للنزول ..
لكنه تراجع متفاجئاً ..
كان إنهيار الجبل قد أزال كل املٍ له فى الهبوط ..
صرخ ندماً على مجهوده الضائع ، وأدرك أنه برغم ما كابده من عناء .. سيستمر الإغريق فى تقديس جبل جامد ..
مجرد جبل جامد .. !
لم يبك على عمره الذى سينتهى فوق القمة .. عاجلاً أم آجلاً ..
لكنه بكى على خلود حماقة البشر، رغم انفه ..
* * *
قال ذلك الرجل لصاحبه ، وهما جالسان فى تلك الحانة :
-" لم يعد ليثبت لنا شيئاً ، أرأيت ؟ لقد عاقبته الآلهة على محاولته الوقحة ، لتخطى حدود المسموح."
مصمص صاحبه شفتيه ، وقال فى حسرة :
-" كان شاباً شجاعاً ، لكنه أصر على تخطى الحدود ، وتحدى الآلهة .. "
ومثلما ظن هذان الرجلان ، كذلك ظن القرية كلها ..
ولـم يعرفوا أبداً أن ذلك الشاب مات فعلاً ، ولكنه كان قد اكتشفسرهم المقدس .. سـر الجبل .. ويوم وراء يوم ،كاد الناس ينسون ذلك الشاب ، الذى وقف يخطب فيهم يوماً ليس ببعيد ، وليس بقريب ،وربما تحول على ألسنة البعض الى اسطورة اخرى ،او الى أضحوكة تتعالى صوت ضحكاتهم ، فى ليالى السمر ، منها ..
تحذير :هذه قصة رعب غير مرعبة على حسب مأ أعتقد .. !
* * *
فى مدينتنا نحن دوماً خائفون .. فى مدينتنا لا نستطيع الخروج من بيوتنا فى الصباح .. فى مدينتنا نحن دوماً ننتظر رحيلهم .. فى مدينتنا تأتى لنا الوحوش صباحاً ..! تأتى لنا تلك الوحوش الشنيعة ، ولا نقول انها شنيعة إلا لأننا نعرف ماذا يفعلون .. متوحشون .. أفظع مما كان يحكى لنا عن أفظع المسوخ ، والعفاريت .. وأترك الأمر لخيالك .. كل صباح .. لا يجرؤ أحد على مغادرة بيته ، نظل في بيوتنا ونراقبهم عن كثب .. فى مدينتنا الرعب مستمر ، يكاد يكون بلا نهاية .. يحكى أنهم هدموا من قبل بيت واحد منا ، وأخذوه رغماً عنه بلا شفقة .. ويحكى أيضاً أنهم قطعوه إرباً إرباً .. تثير بعض الحكايات عنهم هلعنا التام ، بينما تثير بقيتها القشعريرة الباردة فقط ..! أصبح الخوف هو الأساس .. هو المنطق .. هو المعقول .. فى مدينتنا لا أحد يخرج من بيته إلا ليلاً ؛ لأنهم لا يأتون ليلاً .. فى مدينتنا ، نشعر بالهدوء والسكينة ليلاً ، بينما الترقب وصرخات الفزع المحبوسة صباحاً .. تسألنا .. ولما لا نهجر مدينتنا ..؟ كلا .. لقد فات الأوان ، ولن توجد أبداً فرصة للرحيل .. يأتى الصباح ، ويأتون هم معه .. يصدرون ذلك النواح الغريب .. بعضهم يقف محملقاً فى أحد البيوت .. بعضهم يضع شيئاً ما أمام بعض البيوت . آخرون يقولون كلام غريب مخيف ، لا ندركه حقاً . نرجو أن يذهبوا يوماً ما .. وألا يعودوا مرة أخرى .. أحياناً ينضم بعضهم إلينا .. ولا نلبث أن نجده ينتمى إلينا .. ويصبح واحد منا .. فى الليل .. الليل الممتع .. الليل يأتى بظلامه الذى يغطى كل شيء ، ولا توجد مصابيح ضوء فى مدينتنا .. فى الليل .. نخرج نحن الأشباح لنلعب فى مدينتنا .. المقبرة !