كان ينطلق بأقصى سرعة ممتطياً فرسه ، عبر المسار الترابى الذى يشق الغابة .. وعقله مملوء بالأفكار، والألغاز..
باحثا عن حل لكل ذلك فى رحلته هذه ..
استمر الفرس بالإنطلاق ، وهو فوقه يتحسس الحبل الذى آتى به من حين لأخر ، ويطمئن لوجوده..
ثم أدرك بعد فترة أنه وصل لوجهته ..
قفز من فوق فرسه فى قوة، حتى ان نعله الإغريقى أصدر طقطقة عالية من إرتطامه بالأرض .. ونظر لوجهته التى ركب المخاطر لاجلها..
الجبل المقدس ..
* * *
قال العراف بصوته الغريب ، المبحوح :
- " اننى أرى طالع ابنك امامى .. سيكون ذا شأن كبير ، لكنه سيحدث فوضى غير معتادة ، فى حياة قريتنا هذه .. "
كان طفلاً وقتها ، وكان يسترق السمع من وراء الباب لما يقوله العراف لوالده..
كانت العادة فى قريته البسيطة ، والتى نشأ بها .. أن يستعين الآباء بالعرافين لمعرفة طالع أبناءهم .. ويستبشرون ، و بالطبع كان هذا سبب قدوم العراف ..
- " سيحاول جلب المعرفة والرخاء ، لبنى الإنسان .. لكنه سيتجاوز الحدود ..
الحدود التى وضعتها الآلهة لمعرفة الإنسان .."
ثم اضاف وعينينه تتسعان فى رعب غريب :
- ولكن مالم تقله النجوم هو إذا ما كانت الآلهة ستوقفه عند حد .. "
انصرف الصغير من مخبأه الصغير وراء الباب ، وذهب لغرفته مهموماً ، وقد احس ان ما قاله العراف عنه ليس بشيء مُفرح على الاطلاق ..
* * *
نفض الذكريات عن نفسه ، وأمسك بالحبل .. وربطه حول نفسه وهو يغالب مخاوفه ويحاول ان ينتصر لطموحه ، على كل إنذارت العراف التى كانت تدق فى أذنيه منذ صغره ، ولا تزال حتى تلك اللحظة ..
ونظر نحو قمة الجبل الذى قدسه الإغريقيون ، وقالوا أن على قمته تخفى الآلهة أعظم أسرار العلم ، والقوة ..
الجبل الذى قيل عنه أن الآلهة بكل مالها من سلطان وجبروت تحميه ..
نظر حوله فى وجلٍ وقد بدأ يرتجف ، ويحاول ان يغمض عينه، ويسحب انفاسه فى قوة مستجمعاً كل ذرة شجاعة فى قلبه..
* * *
كبر ، و أصبح شاباً يافعاً .. شديد القوة والبأس ..
وبدأ يراوده حلم ، طالما تمنى أن يتحقق فى الواقع .. المعرفه .. تمنى أن يصعد الجبل المقدس .. ان تتجلى له كل الأسرار ..
كان يتذكر مشهد العراف ، وهو يذكر لوالده تنبؤآته عنه فى صغره .. فيتساءل .. هل ما تبنأ به العراف صحيح ..
أم أن نبؤة العراف ، هى التى دفعته للتفكير فى مثل هذا ؟
لقد قالت أمه لوالده يوما بصوت يملؤه الذعر :
- " الحق ابنك يا رجل ، لقد بدأت تظهر عليه العلامات التى دلنا عليها العراف .. وبالفعل قد أصبح شاباً قوياً ، يحب المغامرة أكثر من حبه لحياته.... "
قاطعها الأب بضجـر ، قائلاً :
- " وكـم من شاب قوى يحـب المغامرة فى هيـلاس ( اليونان ) يا إمرأة ! ثم مـاذا أفعـل له ؟ "
قالت له ، وهى مازالت تحمل ذعرها :
- " خذه معك .. نعم .. هذا أفضل حل .. فليبتعد عن هنا .. وينسى كل شيء ، ويعمل بجد حتى ينسى تلك الخواطر والأفكار .. "
- " لن يشكل ذلك اى فرق .. لو ان مصيره قد كتب عليه فى السماء ؛ فقد قضى الأمر .. "
- " ويحك يا رجل ! أتقول قد قضى الأمر ، وترفض حتى أن تتصرف ..
يجب أن نفعل له أى شيء نستطيعه .. حتى لو لم يكن فى يدينا شيء ، فلندعو الآلهة أن ترد عنه هذا المصيـر..
اليست الآلهه قادرة على تغيير ما سطرته أيديها ..؟ "
قال الزوج بهدوء ، محاولاً طمأنة امرأته :
- " حسناً .. سآخذه معى فى رحلتى القادمة ، وأنت عليك بالصلاة ، وانظرى ان كانت الآلهة تقبل منك قربانا.. "
نظرت اليه وعيناها تدمعان وأومأت فى صمت ..
* * *
إقترب من الجبل وبدأ يتسلق ..
كانت العزيمة تملؤه ، وتجرى فى عروقه كلما اقترب من هدفه.. وتملؤه بالرغبة والتحمس وتلقى بالخوف بعيداً بعيداً فى الجزء المظلم فى عقله ، حيث يكون شيئاً منسياً ..
سيذهب للقمة و يعرف سرها المجهول .. حتى لو كانت جحيماً يعذب جسده .. لكنه سـيريح عقله ، ويروى فضوله ..
لقد حان وقت معرفة الحقيقة ، التى يخاف الكل من مجرد محاولة معرفتها ..
* * *
إنطلق مع أبيه فى رحلة تجارية ، لبلاد الفينيقيين ..
فوجئ أول الرحلة بوجود صديق صباه معه ، على نفس السفينة التجارية الضخمة ، فكان يمضى معه الصباح .. بين العمل ، والحديث.. وكان يبوح له بكل مافى صدره ، بما فى ذلك رغبته التى لا يفصح عنها لأحد ..قال :
- " كم أتمنى يا صديقى أن أعلم كل أسرار ذلك الكون المجهول ، ولسوف أسخر معرفتى بعدها لخدمة وتطور البشر .. "
ابتسم صديقه ابتسامة واسعة ، وهو يقول :
- " نعم ، يالها من قوة .. قوة المعرفة تلك .. ليتنا نمتلكـها ، لنـنعم برخـاء كبيــر ..لكنه حلم .. مجرد حلم يا صديقى .. "
وبـدا أن صديقه كـل ما اهـمه من الفكـرة ان ينـعم باحلام الرخاء والرفاهية ، وتركه هـو يفكر فى سـر المجهول ، وكيفية ادراك الأمل العظيم ..
كان يبغض عمله فى هذه الرحلة ، يشعر بإحتقاره ، ربما تكون هذه الرحلة منتهى آمال أى شخص عادى ، لكنه كان يريد أن يقوم برحلة أعظم وأهم !
وعند نقطة ما لم يستطع الاستمرار، وقرر أنه لابد فاعلٌ شيئاً ، فى طريقه الذى قرره لنفسه ..
* * *
- " حتى انت يا أعز أصدقائى ! "
قالها بحزن ، وضوء القمر يسقط على سطح السفينة فيضىء قلبه بأمل ، فى تحقيق حلمه..
رد عليه صديقه بخجل :
- " آسف يا صديقى ..! لكننى أرى أن من الحماقة تجاوز الحدود .. خاصة هذه الحدود ..
الجبل بالذات قد حُرم علينا منذ الأزل ، وإلى الأبد . "
- " لكننا تعاهدنا على أن نتعاون معاً ، لنكتشف الأسرار ، ونتقدم بأثينا أولاً .. ثم البشر جميعاً .. "
قال صديقه وهو يهز رأسه :
- " كلا يا صديقى لقد وافقتك فى كونه حلم جميل .. لكنه لا يتعدى الحلم الجميل .. الأمر أصعب من ان تستهين به .. "
قال له وهو يحاول أن يُهدئ نفسه ، ويطمأنها أنه ليس بحاجة لأحد :
- "حسنا لك ما تريد .. ولكن اطلب منك شيئا واحداً ، بحق الصداقة التى طالما جمعتنا .. لا تردد كلمة واحدة مما بحت به اليك ، امام اى شخص مهما كان .."
وانصرف وهو يتمتم فى غضب ..
- " جبان .. هذا هو انت ، لكننى سأصعد وحيداً .. "
* * *
إقترب من القمة .. وهو يلهث من الظمأ ، والإرهاق يكاد يتمكن منه ..
أحس بأن انفاسه ثقيلة ، وعقله يفقد الكثير من تركيزه.. نظر تحته ..
رأى الأرض بعيدة عنه ، فابتسم برضا .. انها سعادة من وصل لمناه ..
خطر فى باله أنه فى ارتفاعه ذاك ، قد ارتفع فوق كل هؤلاء الذين رفضوا مشاركته رحلته وبحثه ، بل واستنكروها ..
ها قد شارف الوصول ، والآن .. سيعرف كل شىء ..
هاجمته الأفكار والترددات ، تحذرها ، وعلا انذارها فى عقله..
قاومها بكل اصراره ، وقال لنفسه بصوت أجش ، زاجراً عقله :
- " كلا ، ليس هذا وقت التراجع ، لقد قضى الأمر.. ! "
واخذ نفسا عميقا وهو يثبّت نفسه متمتما :
- "ماهى إلا خطوات أخرى ، وأصل للقمة الغامضة .."
وفجأة ، ارتعد بشدة وفرقعة انهيار جزء كبير من الجبل تهز الارض تحت قدميه !
* * *
فى الساحة الكبيرة فى السوق وقف الناس ، و هم يرون ذلك الشاب المتحمس يستعد للإنطلاق فى رحلته ..
خطب فيهم ، فمنهم من تعجب له ، ومنهم من اشفق عليه ..
لكن لا احد استطاع ان يؤيده .
- ".. لقد ظننتم أشياء كثيرة ، وقدستم أشياء أكثر ..
أفما آن لكم أن تعرفوا الحقيقة ؟ "
تساءل البعض وأصواتهم تحمل نبرة سخرية خفية :
- أى حقيقة ؟ "
أجابهم :
- " الظنون التى صنعتوها ، لتحولوها حقائق ثابتة ..
ما أدراكم أن العراف يستطيع قراءة النجوم .. وهو مثلكم بشر ؟
لماذا تقدسون الجبل .. ولم يصعده احد من قبل كى يعرف حقيقته؟
من اين اتيتم بحكاياتكم – الأسطورية - عنه! ..
الا ترون معى اننا يجب ان نعرف ..
نعرف كى نؤمن بما هو حقيقى .. فقط بما هو حقيقى ..
وان ندع كل خيالات الاولين .. "
انتهى من كلامه وقد حط الصمت على الرؤوس ..
وانطلق بفرسه والعيون تشيعه ، وأمه تشهق والبكاء يكاد يذبح صدرها كسن السيف ..
- " واحسرتاه ! وابناه !
لماذا يا زيوس كتبت عليه هذا المصير ؟ لماذا ابنى دون كل البشر! "
وبدأ الناس ينصرفون كل الى مشاغله ..
* * *
قفز من مكانه وتمسك بصخرة كبيرة تعلوه وصرخ والارض ترتج حوله:
- " كلا .. كــلا .. ليس الآن .. ليس بعد ان وصلت ..! "
إستجمع قواه ، واخذ يقفز من صخرة الى اخرى ، معتمداً على عضلاته المفتولة الشابة ، وربما اعتمد اكثر على القوة الروحانية ، التى منحها له اقترابه من هدف عمره ..
قال لنفسه فى راحة ، وقد وصل للقمة :
- " رباه ! إنى هنا .... اننى اقف فوق القمة .. "
كان إرتجاف الجبل قد هدأ ..
نظر حوله فى رهبة وتوجس ، ها قد حان الوقت أخيرا لنزع رداء الغموض عن الجبل ..
لم ير شيئاً غريبا ، أو مختلفا عن باقى الجبال .. ثمة شجرة أو إثنتين و صخور رمادية صامتة ، وبعض الجليد هنا وهناك..
كان الضباب يغلف المكان بالغموض .. جال بنظره ، وهو يلتقط أنفاسه ..
إذن فقد أخطأ الإغريق كل هذه السنوات الطويلة فى تقديس الجبل ..
لقد عرف الحقيقة الآن الحقيقة حقاً ، رغم انه لم يحصل على اسرار الكون التى قيل أنها على هذه القمة ..
حاول ان يبحث ويبحث ..
اخذ ينادى الآلهة باسمائها واحداً واحداً ..
نادى ( زيوس ) ، و ( أبولو ) ، و ( أثينا ) ..
وحتى الشريرة ( هيرا ) ، التى كان يخشى نطق اسمها من قبل ، ناداها ..
مر الوقت واحس انه يختنق .. وقرر انه اكتفى بمعرفة حقيقة الجبل الواهية ..
ركل صخوره بقدمه محتقرا أياه ..
واحتقر كل يوم قدس فيه ، مع الآخرين ، ذلك الجماد الغبى ..
قرر العودة ، وكشف حقيقته الحقيره لكل البشر المخدوعين ..
واتجه للنزول ..
لكنه تراجع متفاجئاً ..
كان إنهيار الجبل قد أزال كل املٍ له فى الهبوط ..
صرخ ندماً على مجهوده الضائع ، وأدرك أنه برغم ما كابده من عناء .. سيستمر الإغريق فى تقديس جبل جامد ..
مجرد جبل جامد .. !
لم يبك على عمره الذى سينتهى فوق القمة .. عاجلاً أم آجلاً ..
لكنه بكى على خلود حماقة البشر، رغم انفه ..
* * *
قال ذلك الرجل لصاحبه ، وهما جالسان فى تلك الحانة :
- " لم يعد ليثبت لنا شيئاً ، أرأيت ؟ لقد عاقبته الآلهة على محاولته الوقحة ، لتخطى حدود المسموح."
مصمص صاحبه شفتيه ، وقال فى حسرة :
- " كان شاباً شجاعاً ، لكنه أصر على تخطى الحدود ، وتحدى الآلهة .. "
ومثلما ظن هذان الرجلان ، كذلك ظن القرية كلها ..
ولـم يعرفوا أبداً أن ذلك الشاب مات فعلاً ، ولكنه كان قد اكتشف سرهم المقدس .. سـر الجبل .. ويوم وراء يوم ، كاد الناس ينسون ذلك الشاب ، الذى وقف يخطب فيهم يوماً ليس ببعيد ، وليس بقريب ، وربما تحول على ألسنة البعض الى اسطورة اخرى ، او الى أضحوكة تتعالى صوت ضحكاتهم ، فى ليالى السمر ، منها ..
وهم لم يعرفوا حتى ما حدث حقاً لذلك الشاب ..
الباحث عن سر المجهول ..
تمت
![]()
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق