كانوا فتيةٌ ثلاثة، تبدو عليهم النضارة والتنعم ، لكن وجوهم بدا عليها فزعٌ مبهم ، أطفأ زهوتهم ، و طفا على وجوهم بالشحوب، بعدما فاض عن قلوبهم ..
-" لا أعرف .. رغم إحساسي الكريه الذى يحوم حول هذا الباب ، وهذه الشقة عموماً .. الا أننى لازلت أقول أن الأمر كله من نسج خيال ذلك الأخرق، الذي غرس فى نفوسنا الوهم منذ البداية !"
-" وها هو الحل الوحيد والنهائي للخلاص من هذا الوهم !"
- " ولكن .. "
- " بلا لكن !"
* * *
-" هذه الشقة تروق لى حقاً ، يا ( محمود ) . "
-" أما أنا فلا تروق لى البتة ، وأشعر بإنقباض فيها . "
-" كفاك تشاؤماً يا ( عمر ) ، هذه الشقة جيدة حقاً ."
قال ( محمود ) وهو يدور بنظره فيها :
-" عندك حق يا ( أيمن ) ، إنها تروق لي أيضًا ."
-" لا أعرف يا ( أيمن ) ما الذى تراه في (محمود ) ، لكننى لست أرى أن البيت المثالي له هو بيت يطل على المقابر ."
-" حقا !؟ "
* * *
قال صاحب الشقة السابق :
-" لا تفتح هذا الباب البتة ."
-" ولمّ ؟ "
-"فلنقل أن وراءه أشياء لست تتتمناها أبدا.. "
* * *
اليوم الأول ..
جلس وحيدا، لم يجد شيئًا يفعله إلا قراءة هذا الكتاب الذي يعلم أنه أسوء ما يقرأ في وحدته .. لكنه يشغل فراغـه !
بدأت أعصابه تتوتر، والأحداث فى الكتاب تتصاعد ..و الأشباح ستقتله و ... يبدو أن ذهنه مرهق حقًا ؛ فقد تداخل الواقع مع خيال الكتاب!
كان ذلك حين دوت الطرقات ..
نظر نحو الباب بطرف عينه ، وكاد أن يثب من مكانه ..
فقد رأى ذلك التجسد ..
* * *
هل رأيت من قبل طيف، أو شبح ؟
حسنا .. هذا هو ما يظن أنه رآه ..
بشعا كان .. باهتا كان .. كمهرج بدا ، لكن لمحة من حزن غاضب أضفت الشر علي وجهه .. وعلي شفتيه إبتسامة دموية ..
تساءل و أسنانه تصتك ، وقلبه يكاد يتوقف :
-"من .. من أنت ؟"
-"الباب .. الباب!"
أخذ يكرر تساؤله :
-" من أنت ؟مــن أنـــت ؟.. مــن ..."
قاطعه :
-" لن تستطيع الهرب..!"
قالها ذلك الشيء ، وقد علت دقاته أكثر..ثم قال :
-" ميتٌ ميتٌ أنت .. فتحت أم لم تفتح !
قاتلك الخوف إن لم تفتحه ، وقاتلك الهول إن فتحته ! "
* * *
رنين الهاتف ..
رد ناعسا :
-"آلو .."
- " ( عمر ) ! إلحقني ! "
مفزوعا رد :
-" ماذا هناك ؟ "
- " شبح !! "
* * *
-" ماذا حدث ؟ "
بلهجة هستيرية أجابه :
-" شبح .. الباب .. شبح ! "
لم يفهم شيئاً بالطبع ، لكنه أخذ يحاول أن يهدأ روعه .. وأخيرًا تكلم ( أيمن ) :
-"ماذا حدث بالضبط ؟ "
-"كان هناك .. أمام الباب، يضحك بوحشية .. ويردد : الباب .. الباب ! "
تبادل ( عمر ) و ( أيمن ) النظرات، أحسا أن ( محمود ) لا يهذي ..
لأنهما أيضًا شعرا بذلك .. بأن هناك شيئٌ ما حول هذا الباب .
* * *
تركا ( محمود ) يستريح قليلًا ..
بدأ ( عمر ) الحديث ، مخاطبًا إياه :
-" ماذا ترى الآن ؟"
-" أراه مجرد تفاعل مع تلك الطاقة النفسية للباب ."
-" وماذا لو لم تكن طاقة نفسية ..؟"
- ماذا تعني ؟!"
بعصبية قال :
-"أقصد طاقةً من نوعٍ آخر !"
تنهد في ضجر، قبل أن يقول :
-" وماذا عسانا نفعل ؟ "
* * *
تركاه ليلاً ، على وعدٍ بالمجيء صباحًا .. نظر نحو الباب بغل ..، صار يناصبه العداء ، وأصبح يشعر نحوه بالحقد ..، بمزيجٍ من الخوف والتقزز .. بدأ يسمع الدقات على الباب مرةً أخرى ، هذه المرة لم يتحرك .. لم يتحرك البتة .. لوهلة شعر أنه تجمد في مكانه من الجزع .. قبل أن يتمالك نفسه ، ويقرر أنه سيقاوم هذا الشيء .. سيظل معه حتى نهاية المطاف .
ظهر الطيف نفسه .. نفس التجسد البطيء المرعب .. خطر له أنه لو كان يظهر فجأة ، ولا يتجسد ، لكان هذا أهون .. لكنه طرد هذه الأفكار من عقله ، وهو يراقب ذلك الطيف في إنتباه ويقظة كالقط . يريد أن يفهم كنه ذلك الشيء ومن أين يأتى.
بوحشية إبتسم الطيف ، أخذ يطرق على الباب برتابة، وإبتسامته تتسع .. وتتسع .. وتتسع .. و مع أصوات الدقات .. كان يهز رأسه معها كأنما يتلذذ بهذا ..
-" تك .. تك ."
كان هذا كفيلًا بتحطيم أعصاب ( محمود ) .. وأخذت تلك الدقات تدوي في أذنيه ..
وفجأة ، قفز الطيف على ( محمود ) بوحشية ، وقد إستحالت يداه إلى مخالب ، وإبتسامته إلى ثغرٍ مفتوح تظهر منه الأنياب ..
صرخ مـفزوعاً .. قفز من على الأريكة ، وأسرع يعدو إلى غرفته .. أغلقها عليه .. وقفز على فراشه ..واخد يصرخ بشدة وصوته مبحوح ، يأبى الخروج من فمه ...
وراح يبكي !
* * *
-" هيا ! "
قالها ( عمر ) وهو يمد يده لـ ( محمود ) ، قبل أن يتبعها بـ :
-"أعطني المطرقة ! "
بيد مرتجفة ناوله إياها، وقال ( أيمن ) بصوت متوتر :
-" أنا عن نفسي أرى أن الأمر كله حماقة كبيرة !"
-" إذن لماذا هذا القلق فى صوتك ؟ "
فاحتقن وجهه وسكت ..
رجع ( عمر ) بيده إلى الوراء ، كي يزيد ضربته قوة ، ثم إندفع بالمطرقة نحو القفل ؛ ليكسره ..
سقط القفل علي الأرض بصوت مدوي ، وامتدت يد ( عمر ) تفتح الباب ..
أمسك المقبض .. نظر لـ ( محمود ) و ( أيمن ) ، بدا أنه يواجه لحظة تردد ..
حافظ ( أيمن ) على تعبير وجهه الموحي بالضجر ، والإمتعاض .. لكن ( محمود ) هز رأسه له ، بمعني "هيا " ..
أدار المقبض ..و..
وتراجع بسرعة .. ثم سقط على الأرض !
صرخ ( محمود ) مذعورًا :
-" ماذا هناك يا ( عمر ) ..؟!"
لم يرد ..فقط ظل فى مرقده على الأرض ؛ كما لو كان جثةً هامدة ..
شعر ( محمود ) بشعور غريب ..
سمع تأوهًا يصدر من ( أيمن ) ..
التفت ؛ ليجده قد سقط على الأرض – بدوره – ، وراح ينتحب وهو يرتجف ..
وفجأة..شعر ( محمود ) بتلك القبضة الغريبة تضغط علي قلبه ..
وتعتصره ..و ..
ضوء ساطع !
* * *
-"فلنقل أن وراءه أشياء لست تتتمناها أبدا.. "
* * *
-" .. من أنت ؟"
-"الباب .. الباب!"
![]()
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق