كانت تعرف
ــ 1 ــ
لكم أخاف منهم .
أدخل غرفتي موتجسا، أرتجف، أجلس وحيدا، أحاول أن ألعب، لكنى أجد نفسي كل بضعة ثواني أتلفت حولى حذرا..ثم بعد قليلٍ أراهم..
أسرع خارجاً من الحجرة..ينظر أبي وأمي نحوي بنظرات غريبة، لكنني لا أستطيع أن أحكي لهم ما يحدث..
أراهم كثيراً، لا أعرف من هم، أو بالأحرى ما هم؟
أخاف منهم، وأسرع هرباً ..وحين يأتي الليل يبدأ المرح الحقيقي (بالنسبة لهم!)..
أراقبهم أمامي. هم أناس عاديون، لا أعرف حقاً ما يخيفني فيهم.. ربما ذلك البهتان الغريب الذى يميزهم كأنهم أشباح رُسمت بخطوط بيضاء أو رمَادية.. ربما نظراتهم الغريبة التى تخترقك، فتشعر بها تنفذ لصدرك، لتعبث بك القشعريرة الباردة..
عقلي الطفل لا يعرف شيئا فى تلك اللحظة إلا الهرب. ولا أجد نفسي ساعتها إلا فى غرفة أبي وأمي.. أقف هناك صامتا، راجيا بلا كلمات أن يأذنوا لى بالنوم بجانبهم.. يزجرني أبي، لكن أمي تأخذني بجانبها.. أشعر بحضنها الدافئ فأطمئن، أنظر نحو وجهها فأشعر بها تعرف شيئا، وتخفيه..
أكرههم.. لا أعرف.. هل أنا وحدي أراهم ؟
أحياناً أروح لأمي، أحاول أن أحكي لها، فلا أستطيع، أخجل ، أخاف أن يسخروا مني ، و يتهمونني بالجبن أو الهلوسة..
لكنني متأكد مما أرى.. لا أدرك حقاً ما يحدث.. أراهم فى كل مكان فى البيت، ولا مهــرب..
ــ 2 ــ
أعرف مابك يابني، وقد حرت هل أكلمك فيه، أم أتركك تقتنع
أنها مجرد خيالات أطفال ..
وكيف ليَّ ألاّ أعرف وقد ابتليت بتلك الـ.. لست أدري ماذا أسميها! لست أدري أهى هبة أم ابتلاء!
إننى من قليلين جدا يرون هؤلاء القوم. لو أحكي لك يابني عما رأيت فى سنين عمري الأربعين لما صدقتني .
أعرف يابنيّ ما يخيفك في لياليك . أعرف ما يجعلك لا تستطيع النوم كلما دخلت إلى حجرتك ..
أعرف أيضا أنك وحدك في هذا البيت الذى يرى ما أراه ، ويعرف ما أعرفه .. وكلانا صامت لا يحكيه أبدا!
عندما كنت صغيرا جدا فى سنواتك الأولى ، رأيت فيك ما أدركت معه أنك ستكون كما أمك ، وستراهم حين لا يراهم غيرك..
أذكر تماما تلك المرة التى كنت وقتها لم تتعد سنواتك الثلاث، وكنا نسير سويا بالشارع حين قلت لى مذعورا:
" يا أمى ستطيح بنا سيارة الآن."
ونظرت لك، وقد اتسعت حدقتيَّ للفكرة الرهيبة، ورددت عليك :
" لا تخف يا بني، لن يصيبنا شيء؛ فنحن على الرصيف . "
لم تمر أكثر من دقيقتين، وإذا بسائقٍ مخمورٍ يصدم الرصيف بسيارته ، وكدنا نلتصق بالحائط من الرعب، ولولا أن كتب الله لنا النجاة لتحققت نبؤتك !
أذكرأنني وقتها فكرت كثيرا، وخفت عليك من تلك الشفافية التى أعرف تماما انها ليست شىء مريح.
هل تذكر يابني حين كنت تقول لي أن أحدا قد قال لك أن أخيك سيمرض؟
هل تذكر حين كنت تقول لي :
"قد وصل أبي إلى باب العمارة."
فأضحك منك، ثم لا تمر فترة بالكاد هى لصعود السلم، وأجده يفتح الباب! منهم مرة كان مسافرا، ولم يكن يُتوقع أبدا أن يجىء، ولكن تنبؤك أصاب أيضا.. فكنت أنظر لك وشكوكى تزداد، وتقترب من اليقين .
والآن ..لم أفترض قط أن يحدث ما يريب فى ذلك المسكن الذى اتخذناه لنا مؤخرا، فهو فى عمارة مأهولة والناس تتتابع عليه مستأجر وراء آخر..
مرت ليالٍ قصيرة من الهدوء ثم بدأوا يظهرون .. رأيتهم يعيشون حياتهم كأنما لا يعنيهم من أمرنا شيئ. صغارهم تلهو فى مياة الحوض ، ورجُلهم يشاركنا جلستنا فى غرفة المعيشة، ويراقبنا بنظراته الحادة فى صمت..
لم يبدر منهم ما ينبيء عن كينونة شريرة .. لكننى لن أئتمنهم أبدا فلو أن فيهم خيرا لما تبدّوا لنا ..
لم أقل أي شيء لأبيك ؛ فلم يكن فى يده شىء.. فقط تمسكت بمصحفى ..
أضحك حين أذكرعندما كان يدخل لينام بعد أن يطمئن أنك وأخيك قد نمتما فى حجرتكما، ثم يقوم فجأةً وهو غاضب ، قائلا :
" من هذا الذي خرج الى الصالة؟ "
فأجذبه قائلة :
" لم يخرج احد .. تعال ونم . "
فيشد يده، ويذهب مؤكدا أنه رأى أحدكما خارجا، فأيأس منه وأتركه، وأنا على يقين من عودته فارغ الجعبة .. ويعود ليقول :
" لا أحد ! "
فأبتسم وأقول :
" ألم أقل لك! "
أما أنت يا صغيري فلم يكن بيدي أن أفسر لك ما تراه .. كنت أراك حين تدخل غرفتك لا تستطيع البقاء فيها وحدك أبدا .. كنت تطلب دوما النوم بجانبي فينهرك أبوك ولا أستطيع أن أشرح له، وكذلك لا أستطيع أن أؤيدك كي لا تغرق فى تلك الأفكار؛ فلا زلت صغيرا وسيكون الأمرقاسٍ جدا على عقلك، وقد يذهب بنفسك في طريق لا أملك إلا الدعاء بأن يحفظك الله منه.
لطالما احترت بين تكذيبك وأنت موقن بصدق ما تراه، وبين أن أريحك وأقول لك أني أعرف ..
وكان الأمر يتوقف عند مرحلة البين بين ..إقرأ يا صغيري تلك الآيات دوما قبل أن تنام .. ها أنا ذا بجانبك فنم ولا تخف .. اذا جئتني ليلا لم أكن لأصدك أبدا ، كما كانت تفعل أمي؛ فإنها لم تكن تعرف، ولكنني أعرف ..
الآن يا ولدي حين رأيت ما كتبته عن تلك الذكريات، وعرفت أن كل ما كنت تراه حقيقي.. وعرفت أنني كنت أعرف.. فطرت قلبي ببكائك، رغم أنك شارفت على طولي، ويكاد شاربك يخط فى وجهك.. لكن يحق لك البكاء بالتأكيد، بل انك يابني أقوى من رجال قد فُتلت عضلاتهم لم يكونوا ليحتملوا أن يروا ما رأيته.. نعم أضمك إلى صدري وأقول لك لم تكن واهما، وإن تتذكر جيدا فلم أكذّبك يوما.. فقط كان يجب اللا أُفزع طفولتك.. لكن الآن لا أقلق عليك حين تعرف.. على العكس، ربما يزيدك ثقة فى نفسك وعقلك، وأنك لم تكن ابدا صريع خيالك..
نعم يا ولدى كنت أعرف.. ولا زلت أعرف الكثير.. وربما أنت أيضا تعرف الكثير مما لا أعرفه.. ولكنك الآن تعرف أيضا أنك الأقوى.. وأنهم مجرد صور أمامك، أنت الأقوى منهم، طالما تدرك ذلك، و طالما أنك مع الله وأنك تثق أن الله معك.. لن يؤذوك، بل ربما يكونون هم من يرهبونك.. فقط تذكر..
وربما ترى يوما فى ابنك ما رأيته فيك..فأوصيك.. أوصيك بحسن التصرف فى الأمر؛ كى تجعله هو الأقوى دوما..فإنهم قومٌ إمّا أن تكون الأقوى، أو يخضعونك وتكون المصيبة.
حفظك الله وكفاك تلك المعرفة، فربما ليس كل بصيرة خير، ولا كل علم يريح.
ــ 3 ــ
بنظراتٍ خاوية نظرت نحوها – أمى – حائرا، خائفا..
اليوم.. فقط اليوم.. أدرك الحقيقة..
إرتجفت من هول الفكرة.. أكل ما كنت أراه حقيقةً؟ كم كنت أتمنى ألا يكون كذلك! كم كنت أتمنى أن يظل إحتمال أن يكون كل شيء خيال فى خيال، موجودا، فأحمى به نفسى من ذلك الرعب الرهيب.
تذكرت كل شيء منذ البداية، كل شيء.. تذكرت ذلك الطيف الأسود الذى ظهر لي من قبل، هامسا وهو يلهو برأسي، فأراه فى كل مكان:
" ستنتهي أيها الفتى، ستنتزع سيارة قادمة حياتك منك."
تذكرت أطياف الأطفال الباهتة، وهى ترقص وتهلل، وهى تخبرنى بمجيئ أبي!
إنفجرت فى بكاءٍ هستيري، لم أعرف ءأكون مرتاحا لكوني أخيرا تأكدت أن عقلي سليم وأنني لم أكن واهما، أم أرتعب من حقيقة الواقع المخيف، المؤلم، الذي أدركت أنه قد أحاط بحياتى.
لن تصبح حياتي عاديةً بعد تلك اللحظة.. على الأقل فى نظري..
لكننى سأستمر فى حياتي كما استمرت أمي فى حياتها، بصورة كنت أراها طبيعية جدا، قبل أن أعرف..
منذ الآن أدرك أنني سأراهم – هؤلاء القوم – ربما لبقية حياتي، لكنني لن أسمح لهم بأن يلقوا ظلالهم السوداء عليها.. منذ الآن أعرف أنني يجب أن أتمسك بمصحفي، أن أقوى علاقتي بربي.. يجب عليَّ أن أجاهد، أن أرفض الخضوع لهم..
ستكون حرب، وإن غفلت عن علاقتي بربي للحظة، فربما تصادف تلك اللحظة لحظةً يرقبونني بها فيأخذونني في غفلتي ولا تقوم ليَّ قائمة.
وضعت كفاي على وجهي، ووسط كهوف الخوف من المجهول، التي لا أعرف لها بداية، ولا نهاية، استطعت أن ألمح – بطرف عيني – ظلا باهتا رهيبا..
وعلى ثغره إبتسامة ساخرة، متحدية..
ــ 4 ــ
بضعٌ وثلاثون عاماً هم عمري الآن..
أحمل طفلي الجميل وألقيه فى الهواء..
تعلو ضحكاته وتأتي أمه لتقول لي:
"تخيل ما حكاه ابنك لىّ اليوم."
رددت وعيناي مثبتتان على طفلي:
" وهل صدقتيه ؟."
" ماذا أصدق . إنها خيالات أطفال!"
و ابتسمت..
* * *
![]()
اسماعيل
ردحذفاول مرة ازور المدونة
بس تحياتي لمدونتك
تتميز بطلة رائعة
قصة جميلة و اسلوبك فيها ناضج
بس الفكرة حساها مكررة شوية زي افلام اجنبية و مسلسلات
بس فيها بعض التغيير
هبة محمود خميس من منتدى دار ليلى
ارجو
تقبل مروري
تحياتي
هبة..
ردحذفسعدت للغاية بتواجدك في مدونتي..
والحمد لله أن القصة أعجبتك إلى حد بعيد..
تحياتي
ماذا اقول ؟ ....
ردحذفبسم الله ما شاء الله ... واشكر احمد " مخبر ... الدولة " ...الذي دلني علي مدونتك الاكثر من رائعة
اعدك يا صديقي العزيز - رغم فارق السن بيننا ..ولكنك صديق - اني لا ادخر وسعا في سبيل نشر مدونتك ... فامثالك .. انت واخيك " مؤمن " الذي اتمني دخوله معترك التدوين ايضا ... بمثابة ... امل كبير كفيل بالقضاء علي احباطات كبري موجودة في مصر
حفظكم الله ... ووفقكم ... وادامك عليك ابداعك ... ودوما من نجاح لنجاح
شكرا والسلام عليكم
أستاذ/ المهندس..
ردحذفشكرًا على مرورك الرائع هنا على مدونتي..
وإن كنت لا أعرفك فأنا الآن- بكل تأكيد- أكن لك الاحترام والتقدير..
ولكنني أتمنى أن أعرف من أنت حقا..
مع تحياتي